الصفحة 31 من 60

الإنجازات الكبرى لحركة التنوير تحرير المرأة - حرية الفكر - الحرية السياسية

لا يترتب بالضرورة على خطأ المنهج عند التنويريين - أو غيرهم - أن تكون كل أعمالهم خطأ لا صواب فيه. ففي كل جاهلية من جاهليات التاريخ - وهي مناهج خاطئة بطبيعة الحال - كانت هناك بعض الأعمال المفيدة، وبعض التصرفات المحمودة، وبعض الخير في بعض النفوس. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الجاهلية العربية:"خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" [1] وقال عليه الصلاة والسلام عن حلف الفضول:"دعيت إلى حلف في الجاهلية في بيت ابن جدعان لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت".

ولا بد أن نذكر لحركة التنوير أنها أزالت كثيرا من أوهام الصوفية وخرافاتها وتعلقها بالخوارق بدلا من اتخاذ الأسباب، وأنشأت أجيالا من المتعلمين قد برئوا من هذا الداء.

حقيقة إن التنويريين لم يفعلوا ذلك من أجل تنقية العقيدة مما كان قد شابها من الفساد على أيدي الصوفية. فتصحيح العقيدة ليس داخلا في حسابهم منذ البدء. وإنما هم فعلوا ذلك وهم يجاهدون لاقتلاع الدين من جذوره، أو - إن عجزوا عن ذلك - فلتحجيمه في أضيق نطاق ممكن. ولكنهم من حيث أرادوا ولم يريدوا أنتجوا أجيالا لا تتعلق بتلك الخرافات، وتسعى إلى اتخاذ الأسباب، فكانت هذه الأجيال فيما بعد مددا طيبا لحركة إسلامية مستنيرة بعيدة عن الأوهام والخزعبلات، ملتفتة إلى حقيقة الدين الواعية، لا إلى الخدر الذي تحدثه الأوهام.

ولا بد أن نذكر لحركة التنوير كذلك أنها أفلحت في تغيير النظرة إلى العلوم الكونية التي كانت منبوذة في الدراسة قبل ذلك، ينظر إليها إما على أنها دنس لا ينبغي للمسلم أن يدنس به نفسه، أو على أنها علوم كفر لأنها مجلوبة من عند الكفار، فلا ينبغي للمسلم أن يتعلمها أو يعكف عليها، وحسبه العلوم الشرعية، ففيها وحدها النجاة من النار!

وحين أدخلت بعض هذه العلوم في الأزهر لقيت معارضة شديدة في مبدأ الأمر، ولكن الحركة التنويرية صمدت للمعركة، واستطاعت أن تحول التيار.

وحقيقة إن تحويل التيار قد أسهم فيه الاستعمار بالقسط الأوفر، ففي مصر مثلا وضع دنلوب مستشار وزارة المعارف في عهد كرومر منهجا تعليميا لمدارس تخرج علمانيين بعيدين عن تأثير الدين، ويسَّر لخريجيها (حتى من المدرسة الابتدائية) أن يجدوا وظائف في دواوين الحكومة، بينما خريجو الأزهر لا يجدون بعد تخرجهم عملا يرتزقون منه، فتحول تيار التعليم الحيّ عن الأزهر إلى تلك المدارس العلمانية [2] ، وفي كل بلد إسلامي دخله الاستعمار تكرر الأسلوب، وتكررت الأهداف.

وأيًّا كان الذين أسهموا في تحويل التعليم، وأيًّا كانت نواياهم، فقد كان هذا التحويل تمهيدا طيبا للحركة الإسلامية المستنيرة التي جاءت فيما بعد، والتي شملت لأول مرة أطباء ومهندسين وعلماء في الذرة وفي الكيمياء والفيزياء والرياضيات، تواجه الواقع العالمي الجديد بأدوات ذلك الواقع، ولا تكتفي بالعلوم الشرعية في المواجهة الحادة بينها وبين أعدائها في الداخل والخارج سواء، ولا تتهم بأنها غير"مثقفة"، وهي تحتل في كثير من الأحيان مكان الصدارة في هذه العلوم!

ولكن المعركة الكبرى التي خاضتها حركة التنوير، وأنجزت فيها أكبر إنجازاتها، كانت معركة"التحرير"التي شملت ثلاثة ميادين رئيسية:"تحرير المرأة"و"حرية الفكر"و"الحرية السياسية"، ويحتاج كل منها إلى شيء من التفصيل، لنعرف ما لها وما عليها، والنتائج التي ترتبت عليها.

قضية تحرير المرأة:

(1) أخرجه البخاري.

(2) اقرأ قصة دنلوب ومنهجه إن شئت في فصل"الغزو الفكري"من كتاب"واقعنا المعاصر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت