كانت المرأة في الشرق الإسلامي قد عادت كمًّا مهملا قريبا مما كانت عليه في الجاهلية، لا تتعلم، ولا يؤخذ رأيها في أخص شئونها وهو الزواج، ويعتدى على حقها في الميراث إما بعدم التوريث أصلا أو بسلب ميراثها عنوة واقتدارا دون أن تجد من تشكو إليه. لا تتعدى اهتماماتها شئون المنزل القريبة، والرعاية التقليدية للأطفال، بالإضافة إلى مجموعة ضخمة من الخرافات عن"المشايخ"وكراماتهم، والعفاريت وما يفعلونه بالبشر، والمعلومات التفصيلية عن النساء الأخريات: ماذا يلبسن وماذا يأكلن وماذا يجري لهن مع حمواتهن، ومع سلائفهن ومع أزواجهن .. ومكانتها عند الرجل هي مكانة الخادمة. وتعيّر بأن مهمتها أن تحمل وتلد وتنشّئ الأطفال ولا زيادة!
وكان هذا الوضع بطبيعة الحال مخالفا مخالفة صريحة لما جاء به الإسلام، فقد ساوى الإسلام بين المرأة والرجل في الإنسانية، وفي العبودية لله وحده بلا شريك، وفي الجزاء الأخروي، وإن كان فرَّق بينهما في بعض التكاليف وبعض الاختصاصات:
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [1] .
(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) [2] .
(وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [3] .
"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" [4] .
وكانت الصحابيات - رضوان الله عليهن - مثلا في أخلاقهن، ووعيهن، واهتماماتهن، ونشاطهن، مع طهر الإسلام، ونظافة الإسلام، والانضباط الكامل بآداب الإسلام: لا اختلاط، لا خلوة مع الأجانب، لا تخلّع ولا تكسّر ولا تميّع، ولا إبداء زينة لغير المحارم، كما أمر الله.
ولكن المجتمع الإسلامي كان قد انحدر عن المعايير الإسلامية الأصيلة في كثير من الأمور، وربما كان انحداره في شأن المرأة أشد لأنها مستضعفة، والظلم دائما يكون على المستضعفين أشد.
ولم يكن من المتوقع أن يحدث تغيير في أحوال المرأة، إلا بعودة صادقة إلى الإسلام، تعود به في نفوس معتنقيه إلى صورته الأولى التي أنزلها الله في كتابه، وعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، ومارسها المجتمع المسلم فترة من الوقت في واقع الأمر ..
ولم يكن في الأفق ما ينبئ بشيء من ذلك في المستقبل القريب. فالإسلام كان قد تحول في الفترة الأخيرة إلى تقاليد خاوية من الروح، يحافظ عليها من أجل أنها تقاليد، ولكنها لا تنشئ في النفس ما كانت تنشئه المعاني الحقيقية التي أنشأت تلك التقاليد أول مرة. ثم إن التقاليد - بالنسبة للمرأة - كانت قد صارت أقرب إلى الجاهلية منها إلى الإسلام.
(1) سورة الروم [21] .
(2) سورة آل عمران [195] .
(3) سورة النساء [19] .
(4) أخرجه الترمذي.