الصفحة 1 من 60

قضية التنوير

في العالم الإسلامي

محمد قطب

في القرنين الأخيرين كانت حال الأمة الإسلامية قد وصلت إلى حد من السوء لم تبلغه من قبل قط. فقد مرت بالأمة من قبل فترات من الضعف والاضمحلال - كانت تعود بعدها إلى القوة والتمكين - ولكنها لم تكن تضمحل في مجموعها، بل كان الضعف يحتل جانبا من الساحة بينما يكون جانب آخر ما زال ممكّنا في الأرض، فحينما اجتاحت جحافل التتار الدولة العباسية في المشرق، كانت الدولة الإسلامية في المغرب والأندلس ما تزال قائمة، وحين سقطت الأندلس كانت الدولة العثمانية قد استولت على القسطنطينية وبدأت تتوغل في شرق أوربا.

أما في القرنين الأخيرين فقد استولى الضعف والاضمحلال على العالم الإسلامي كله، وتمكن الصليبيون في جولتهم الثانية من الاستيلاء على معظم أجزاء العالم الإسلامي، ثم استطاعوا - بمعاونة الصهيونية العالمية - إزالة الدولة الإسلامية من الوجود.

وما يساورنا الشك في أن فترة الاضمحلال الحالية ستنتهي كما انتهت سابقاتها، وستعود الأمة الإسلامية إلى التمكين مرة أخرى كما وعد الله ورسوله - ووعده الحق - ولو احتاج الأمر إلى وقت أطول وجهد أكبر مما احتاج إليه الأمر في أي مرة سابقة، بالنظر إلى حال الأمة وحال الأعداء ..

ولكنا هنا نرصد حركة التاريخ في القرنين الماضيين، لنتتبع خطوطا معينة في ذلك التاريخ.

لقد أدى الحال السيئ الذي وصلت إليه الأمة، واجتياح الأعداء لها من كل جانب، إلى قيام حركتين تصحيحيتين، تحاولان إصلاح الأحوال، وإعادة الحياة إلى"الغُثاء"الذي صارت إليه الأمة كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنا حين قال:"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" [1] .

حركة التصحيح الأولى هي حركة"التنوير"أي حركة الإصلاح على النسق الغربي، المستفاد من أوربا، والحركة الأخرى هي الحركة الإسلامية، أي حركة العودة إلى الإسلام.

بدأت الأولى في مصر وتركيا منذ قرنين من الزمان على وجه التقريب، ثم سرت في بقية العالم الإسلامي في أوقات متفاوتة، لا تقل في أي بقعة من العالم الإسلامي عن قرن كامل. وقامت الأخرى في أكثر من بلد من بلاد العالم الإسلامية، في الجزيرة العربية، ومصر، والشمال الأفريقي، والهند، ولا يقل تاريخها في أي بقعة من العالم الإسلامي عن نصف قرن على وجه التقريب.

(1) رواه أحمد وأبو داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت