الصفحة 2 من 60

وفي أكثر من كتاب ناقشنا الحركة الإسلامية لنرى ما لها وما عليها، وكان منهج النقاش أننا عرضنا الأمراض التي كانت تعاني منها الأمة وقت ظهور الحركة الإسلامية، والأسلوب الذي حاولت به الحركة أن تواجه تلك الأمراض وتعالجها، والجوانب التي نجحت فيها، والجوانب التي أخفقت فيها، ومدى مسئوليتها عن الفشل فيما فشلت في علاجه من الأمراض. ولم نكن في نقاشنا مجاملين للحركة الإسلامية، لأنه لا مجال للمجاملة في أمرٍ جادٍّ يتوقف عليه مستقبل الأمة. قلئن قال قائل إن الأمراض كانت كثيرة، وإن الحركة لاقت مقاومة من هذا الجانب او ذاك، فكل حركة إصلاحية في التاريخ قد واجهت هذه المشكلات ذاتها: كثرة الأمراض، وتوغلها في جسم الأمة، وقلة المصلحين، والمقاومة التي تلقاها الحركة من هذا الجانب أو ذاك. ولكن على قدر إيمان كل حركة بما تقوم به، وعلى قدر صحة الأدوات التي تستخدمها، وعلى قدر عزيمتها ومثابرتها، يكون مدى نجاحها أو فشلها في الإصلاح. وقد قلنا في مناقشتنا للحركة الإسلامية إنها قد تعجلت في مسيرتها، وأغفلت جوانب كان ينبغي أن توجه إليها عنايتها، وإن هذا التعجل قد أثر على الحركة ذاتها، وإنها ينبغي أن تراجع مسيرتها لتصحح مسارها، وتستدرك ما وقعت فيه من أخطاء، وتعوض ما وقع منها من تقصير [1] .

وقد آن لنا الآن أن نناقش الحركة الأخرى لنرى ما لها وما عليها، على ذات المنهج الذي ناقشنا به الحركة الإسلامية، فنذكر الأمراض التي كانت تعاني منها الأمة الإسلامية وقت ظهور الحركة التي سمت نفسها أحيانا حركة النهضة، وأحيانا حركة الإصلاح، وأحيانا حركة التنوير (وهو أحب الأسماء إليها في الوقت الحاضر) ، والأسلوب الذي حاولت به الحركة أن تواجه تلك الأمراض وتعالجها، والجوانب التي نجحت فيها، والجوانب التي أخفقت فيها، ومدى مسئوليتها عن الفشل فيما فشلت في علاجه من الأمراض.

وكما أننا لم نجامل الحركة الإسلامية، لأنه لا مجال للمجاملة في أمر يتوقف عليه مستقبل الأمة، فكذلك لا ينبغي أن نجامل الحركة الأخرى، أولا: ليكون النقاش عادلا ومتوازنا، وثانيا: لأن أي مجاملة على أساس كثرة الأمراض، وتوغلها في جسم الأمة، وقلة المصلحين، والمقاومة التي تلقاها الحركة، هي سلاح يمكن لأي حركة إصلاحية أن تبرر به أخطاءها وتقصيرها، وما أسهل التبرير!

ولكن هناك نقطة واقعية لا بد أن نضعها في اعتبارنا ونحن نناقش كلتا الحركتين، فلئن كانت كلتا الحركتين قد لاقت مقاومة في مبدأ أمرها من هذا الجانب أو ذاك، فإن هناك فرقا في جانب مهم من القضية، هو أن حركة التنوير قد لاقت تشجيعا كبيرا من السلطات سواء المحلية أو العالمية، بينما الحركة الإسلامية قد وجدت - وما تزال تجد - مقاومة عنيدة من كل السلطات، سواء المحلية أو العالمية، وهذا أمر لا بد أن يوضع في الحسبان عند استخلاص النتائج النهائية لكلتا الحركتين.

وليس الهدف على أي حال هو مجرد المقارنة بين منهجين مختلفين في الإصلاح. إنما الهدف أن تراجع الأمة مسيرتها لتحدد لنفسها اتجاهها. فكل أمة حية لا بد أن تراجع مسيرتها بين الحين والحين، لتعرف هل تقدمت إلى الأمام، أم انتكست إلى الخلف، أم أنها واقفة مكانها لا تتحرك.

وحين تقوم الأمم الحية بهذه المراجعة فإنها تنظر في حاضرها لتقوّم مساره إن وجدت أنه لم يحقق آمالها، ثم تخطط لمستقبلها على ضوء مراجعتها لحاضرها، فتحاول أن تتدارك النقص، أو تقوّم الاعوجاج.

(1) انظر بصفة خاصة"واقعنا المعاصر"،"وهلم نخرج من ظلمات التيه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت