وأحد أمراض الأمة الإسلامية في وقتها الحاضر أنها لا تراجع مسيرتها! ولا تنظر في حاضرها على ضوء خطواتها في الماضي، ولا تخطط لمستقبلها! إنما تذهب حسبما يجرفها التيار!
ونعتقد اعتقادا جازما أنه لا تفلح أمة على هذا النحو .. وأنه لا بد أن يقوم نفر من أبناء هذه الأمة - كلٌّ حسبما تؤهله قدرته واجتهاده - بعملية المراجعة والتقويم، ليرفعوا أمام أمتهم المرآة التي ترى فيها نفسها على حقيقتها، لتقرر على بصيرة أين تضع أقدامها وكيف تكون خطوتها القادمة .. وهذا فرض كفاية إن لم يقم به القادرون عليه أثمت الأمة كلها، تصديقا لقوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [1] .
ولنعلم كذلك أننا محاسبون أمام الله يوم القيامة عن عملنا كله في الحياة الدنيا، وأن من بين ما نحن محاسبون عليه موقفنا من واقعنا المعاصر: هل ارتضيناه أم كرهناه؟ وهل حاولنا تغييره أم استسلمنا له؟ وهل شاركنا في أمراضه ام حاولنا علاجها؟ وأن المسئولية تشمل الناس جميعًا، كلٌّ بحسب موقعه وما منحه الله من قدرات، ولا يقبل من أحد أن يقول يوم القيامة إنني لم أكن من المسئولين! والله سبحانه وتعالى يقول: (بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) [2] ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن أساءوا أسأنا!" [3] .
ولنتدبر عبرة التاريخ .. فالأمور لا تجري في الحياة الدنيا بلا ضابط .. إنما تحكم الحياة سنن ربانية، لا يشذ عنها شيء ولا يخرج عن مقتضياتها شيء. وهي سنن حاسمة صارمة، لا تجامل ولا تحابي ولا تتخلف، والفلاح في الدنيا والآخرة مرهون باتباعها، والعمل بمقتضياتها.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، ووفقنا بفضلك ورحمتك إلى ما تحبه وترضاه.
محمد قطب
(1) سورة الأنفال [25] .
(2) سورة القيامة [14 - 15] .
(3) أخرجه الترمذي.