الصفحة 56 من 60

لا يستطيع التنويريون أن يقدموا للأمة أكثر مما قدموه خلال قرن أو قرنين من الزمان، إلا مزيدا من الهجوم على الإسلام، ومزيدا من الفوضى الخلقية، ومزيدا من التبعية للغرب. وبالتالي مزيدا من الضياع.

ولا امل لهذه الأمة إلا بالرجوع إلى الإسلام. هو وحده الذي يمكن أن يبعث الأمة بعثا جديدا تسترد فيه عافيتها، وتنطلق من جديد.

لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

ومن عجيب قدر الله أن حركة التنوير، التي بثت لتكون بديلا من الإسلام، كانت - بما نجحت فيه وما فشلت فيه - تمهيدا جيدا لحركة إسلامية مستنيرة، هي التي تعمل الآن في الساحة، وتدل الدلائل كلها أنها هي المستقبل، وهي طريق الخلاص.

إن النجاحات التي نجحت فيها حركة التنوير، في تخليص فريق من الناس من خرافات الصوفية وأوهامها وقعودها وتواكلها وإقناع الناس بالإقبال على العلوم الكونية والاشتغال بها، قد أمدت الحركة الإسلامية التي جاءت بقدر من الله بشباب متنور متعلم، يعلم من سنن الله أنه لا بد من جهد يبذل للوصول إلى النتائج، ولا بد من عزيمة صادقة، ولا بد من اتخاذ الأسباب، ولا بد من التسلح بالعلم، ولا بد من الاطلاع على ما يحدث في العالم من أحداث.

كما أن إخراج المرأة من عزلتها، وجهالتها، ومحدودية آفاقها، وتفاهة اهتماماتها، قد أمد الحركة الإسلامية بنساء متعلمات واعيات، كن أقدر على فهم الإسلام في شموله وسعة آفاقه ورفعة اهتماماته، وأقدر على إبراز دور المرأة المسلمة في بناء المجتمع المسلم، مع المحافظة على آداب الإسلام ونظافة الإسلام وطهر الإسلام، متحديات دعاوي التنويريين أنه لا بد من خلع الحجاب لتأخذ المرأة مكانتها، ولا بد من الاحتكاك بالرجل بلا خجل ولا حياء.

أما ما فشلت فيه حركة التنوير أو كان من سلبياتها، فقد كان مددا للحركة الإسلامية من جانب آخر.

إن الهجوم المستمر على الإسلام: قيمه ومبادئه وتاريخه ورجالاته وإنجازاته، قد أيقظ المسلمين إلى جوانب من عظمة الإسلام كانت - في فترة الركود - قد نسيت أو انطفأ بريقها وفقدت إشعاعها. فإن هجوم المستشرقين وأشياعهم من التنويريين الذين يترجمون أفكار المستشرقين وينشرونها بأسمائهم وأسماء أصحابها الأصليين أحدثت رد فعل فيما يسمى حركة"الدفاع عن الإسلام".

و"الدفاع عن الإسلام"لم يكن في ذاته حركة سليمة، فقد كان دفاع المنهزم أمام الهجوم، يحاول جهده أن يرد الطعنات، وأن يضمد الجراح. ولكنه كان منطقيا مع حال الأمة في بدء يقظتها، وقد تيقظت على السهام تنوشها من كل جانب، ولكنه حوى جانبا مفيدا على أي حال؛ هو أنه بعث المفكرين الإسلاميين ينقبون في التراث الإسلامي ليردوا على شبهات المفترين والمبطلين، فنشروا من مزايا الإسلام ما كان منسيا أو مجهولا أو غير ملتفت إليه، فزاد وعي الناس بحقيقة الإسلام الشاملة المتكاملة، فكان هذا من"البيان"المطلوب دائما لهذا الدين في كل جيل من الأجيال، من أول البعثة حتى يرث الله الأرض ومن عليها:

(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [1] .

(1) سورة النحل [44] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت