الصفحة 50 من 60

لكي نحصي حصيلة التنوير خلال قرنين من الزمان في بعض بلاد العالم الإسلامي، وقرن على الأقل في بلاد أخرى، علينا أن نستعرض أمراض الأمة مرة أخرى، وننظر: أي هذه الأمراض قد عاجلته حركة التنوير وشفت الأمة منه، وأيها تركته بلا علاج لأنها لم تلتفت إليه، وأيها فشلت في علاجه رغم المحاولة، وأيها زاد سوءا نتيجة علاج خاطئ.

قلنا في الفصل الماضي إن حركة التنوير نجحت في أمرين مهمين، الأول هو إزالة التعلق بالخرافة، الذي كانت الصوفية قد نشرته في الأرض الإسلامية، في صورة كرامات وخوارق تنسب إلى مشايخ الطرق - الأحياء منهم والأموات - وموالد و"حضرات"تنفق فيها الجهود والأموال والأوقات، وقعود عن السعي واتخاذ الأسباب تعلقا بقضاء الحاجات عن طريق التقرب"للأولياء"بالذبح والنذر والدعاء والصلوات. والثاني هو إزالة النظرة إلى العلوم الكونية على أنها كفر أو حرام لأنها تأتي من عند الكفار وتشغل عن العلوم الشرعية.

وقد كانت إزالة هذين المرضين لازمة لأي نهضة حقيقية للأمة، ولم يكن يرجى للأمة فلاح إذا ظل الأمر على ما كان عليه في هذين المجالين، بصرف النظر عن الخلفية التي كانت حركة التنوير تنطلق منها. فهي - كما قلنا - لم تسع إلى إزالة الخرافة من أجل تصحيح العقيدة بل في محاولة لإقصاء العقيدة والقضاء عليها، فأراد الله غير ذلك، ولم تسع إلى إدخال العلوم الكونية وإثارة الاهتمام بها لتصحيح دين الناس بحيث يشمل الدنيا والآخرة، كما أنزله الله وطبّقه المسلمون فترة غير قصيرة فأنشئوا به حضارة فذة في التاريخ، وإنما كانت محاولة من جانبهم لإقصاء التعليم الشرعي وإهماله وتحويل اهتمام الناس عنه، فأراد الله غير ذلك (كما سنبين في سياق الحديث) .

العبرة بالخواتيم كما يقال. وقد كانت الخواتيم في صالح الأمة، وفي صالح الحركة الإسلامية التي جاءت فيما بعد، إذ وجدت أعوانا قد تخلصوا - أو تخلص كثير منهم - من خرافات الصوفية، وأقبلوا على العلوم الكونية فتمرسوا بها، وصار كثير منهم متفوقين فيها، فساعد هذا وذاك في تقوية المد الإسلامي.

وقلنا كذلك في الفصل الماضي إن الحركة ركزت على ثلاث قضايا رئيسية، هي تحرير المرأة وحرية الفكر والحرية السياسية .. فماذا كانت الحصيلة؟

لا شك أن وضع المرأة بصفة عامة قد تغير كثيرا عما كان عليه في السابق، وجدّت في الوضع إيجابيات لم تكن لتنال لو لم تقم حركة هادفة، تهدف إلى إخراج المرأة من الظلم والظلام الذي كانت تعيش فيه.

لكن هذه الإيجابيات كان يمكن أن تكون أكثر كثيرا، والسبيات أقل كثيرا، لو لم تتخذ الحركة النهج الأوربي، وتصر على أنه هو الطريق الذي لا طريق غيره.

كان من الإيجابيات ولا شك تعليم المرأة، فلا خير في الجهل، سواء كان الجاهل رجلا أو امرأة. ولا يتقدم مجتمع نصفه جاهل، مغلف بالخرافة وضيق الأفق، ولو كان نصفه الآخر في الذروة من العلم.

وكان من الإيجابيات تغير نظرة الرجل إلى المرأة، وتغير نظرة المجتمع إليها كذلك. فلم تعد"شيئا"من الأشياء، ولا كمًّا مهملا لا يحفل به أحد. بل صارت كائنا إنسانيا له وجود إيجابي، ويحتل مساحة ملموسة من ساحة الواقع.

وكان من الإيجابيات توسيع أفقها هي، من الحيز الضيق الذي كانت تدور فيه، إلى أفق أرحب، يطل على العالم كله بنسب قد تختلف من فرد إلى فرد حسب استعداداته واهتماماته الخاصة، ولكنه في جميع الأحوال أوسع وأرحب وأعلى من ذلك الأفق المحدود الذي كانت تعيش فيه من قبل: أن تحمل وتلد وتقوم بخدمة الرجل في البيت، ثم تنصرف بقية الطاقة في غيرة امرأة من امرأة، أو كيد امرأة لامرأة، أو الحسد والغيبة والنميمة وتتبع العورات وتلفيق الروايات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت