ولكن السبيات كانت كثيرة كذلك، أكثر بكثير من الحد الذي تستقيم به الأمور في مجتمع سليم.
فأما الفساد الخلقي وتهوين أمر الفاحشة، وتسميتها بغير اسمها تزيينا لها، وتهوينا من أمرها في نفوس الناس، وتشجيعها عليها بكل وسائل التشجيع، فأمر أوضح من أن يشار إليه، أو يجادل فيه؛ وما يجري في وسائل الإعلام، المقروء منها والمسموع والمنظور، هو من البشاعة والسوء بحيث لا يملك أحد أن يدافع عنه، أو يبرر وجوده.
ولكن السوء لم يقف عند هذا الحد، وهو في ذاته خطير، لأنه يأكل كيان أية أمة يتفشى فيه، في الوقت الذي يعمل فيه أعداؤنا على تذويبنا وإفنائنا وتقليص وجودنا واستعبادنا وتسخيرنا لمصالحهم، وخاصة العدو الصهيوني.
إن"ترجيل"المرأة في نظرنا لا يقل عن إفساد الأخلاق، وإن لم يكن ظاهرا للعيان كالفساد الخلقي.
إن حكمة خلق الزوجين - الذكر والأنثى - التي ما فتئ كتاب الله يذكرنا بها على أنها آية من آياته، تزول إذا أصبح الجنسان واحدا .. سواء رجل وامرأة مسترجلة، أو امرأة ورجل مستأنث .. كلاهما إفساد للفطرة، وكلاهما إتلاف لبنية المجتمع، التي أقامها خالقها - وهو اللطيف الخبير - على جنسين متكاملين - لا متماثلين - لكل منهما خصائصه، ويجري بينهما تفاعل حي، ينتج منه أسرة مترابطة، ومجتمع متماسك، وقيم وأخلافق، وآفاق عليا تليق"بالإنسان"الذي كرمه الله:
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [1] .
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [2] .
وحين تُرَجَّل المرأة - سواء بالتعليم على مناهج الأولاد، أو بالاختلاط على أساس"الزمالة"في مراحل التعليم المختلفة، والجامعية بصفة خاصة، أو الإعداد النفسي والعقلي للعمل في خارج البيت، والنظر إلى البيت والأمومة وتربية النشء نظرة ازدراء على أنه امتهان لكرامة المرأة وحط من قدرها - حين يحدث هذا كله، يحدث فساد كبير في المجتمع البشري، يعاني الغرب الآن ويلاته، سواء في تفكك الأسرة، أو جنوح الأحداث، أو انتشار الشذوذ، أو الشقاء المزدوج، شقاء الرجل"بالزميل"المشاكس داخل الأسرة، وشقاء المرأة بالعمل في الخارج مع عبء الأسرة والأطفال، فضلا عما أصاب الأطفال من التشرد النفسي نتيجة عدم وجود الأم المتفرغة للأمومة، وأثر ذلك كله في ارتفاع نسبة الأمراض النفسية والعصبية والقلق والجنون والخمر والمخدرات والجريمة.
شرورو كثيرة ما كان أغنانا عنها لو اتخذ"تحرير المرأة"مسارا آخر غير المسار الأوربي الذي أصرت عليه حركة التنوير!
أما"حرية الفكر"فقد كانت كلها هجوما على الدين ومقدساته، بدلا من العمل على إعادة الحيوية إلى الفكر الإسلامي، بعد الجمود الذي أصابه في فترة الركود.
وكان لهذا الأمر سلبيات كثيرة، وخطيرة في ذات الوقت.
(1) سورة الإسراء [70] .
(2) سورة الروم [21] .