الصفحة 52 من 60

السلبية الأولى هي التقليد في محاربة التقليد! فلم يكن شيء مما أنتجه التنويريون في مهاجمة الإسلام أصيلا ولا صادرا من عند التنويريين أنفسهم. فما كان من كتاباتهم ضد الدين في عمومه فهو ترجمة ركيكة لما قاله كتاب الغرب في الدين، مع الفارق الذي أشرنا إليه آنفا، أن هؤلاء هاجموا صورة مزيفة من الدين لم يعرفوا غيرها، وعمموها - جهلا - على الدين كله، بينما التنويريون يهاجمون الدين الحق، فيقولون فيه ما قاله أولئك في بضاعتهم المزيفة، فيرتكبون في الواقع حماقتين، حماقة التقليد بغير بصيرة، وحماقة وضع الكلام في غير مواضعه التي يمكن أن يصح فيها! وما كان من كتاباتهم ضد الإسلام بالذات فهو ترديد لما يقوله المستشرقون، حرفا بحرف، وافتراء بافتراء! فيرتكبون مرة أخرى حماقتين"عقلانيتين!": حماقة التقليد بغير بصيرة، وحماقة أخذ الحكم على الشيء من أعداء ذلك الشيء، الذين هم بداهة حكام غير أمناء لأنهم أعداء!

(وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [1] .

(وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) [2] .

والسلبية الثانية أن توهين عرى الدين في النفوس - الذي هو الهدف الأخير"لأحرار الفكر"في كل مكان - قد أحدث شرا عظيما في المجتمع، أعظم في الحقيقة من الشر الذي أحدثه في الغرب ذاته؛ لفارق الدينين وفارق الظرفين!

ففي الغرب أحدث توهين الدين في نفوس الناس فسادا خلقيا ضخما في الفوضى الجنسية التي نشأت من"تحرير المرأة"على الصورة التي حررت بها هناك، مع زوال الوازع الخلقي الذي ينشئه الدين في النفوس بتذكيرهم بالله، وتذكيرهم بالآخرة. ولكنه أحدث في الوقت ذاته انطلاقة جيوية ضخمة في المجتمع الغربي، لأن ذلك الدين - كما مثلته الكنيسة الأوربية - كان معوقا عن الانطلاق، معطلا عن الحركة، مقعدا عن النشاط في أمور الحياة الدنيا. وهكذا اختلط الخير والشر في الجهد الذي قام به"أحرار الفكر"هناك، وإن كان الشر ظل يتمادى، حتى ليوشك أن يدمر كل الخير في نهاية المطاف.

أما تنويريونا فقد كانت جهودهم في تحرير الفكر شرا كلها بغير خير.

ففضلا عن الفساد الخلقي الذي يصاحب دائما توهين عرى الدين في النفوس، ولا يتخلف عنه أبدا، فإن أمراضا كثيرة تفشت واستفحلت حين أضعف الوازع الديني، بعضها كان موجودا في نطاق ضيق فاتسع نطاقه أيما اتساع، وبعضها ولد في الفراغ الذي تسبب فيه تحجيم الدين.

فالغش، والتزوير في العمل، وأداء الواجبات سدًّا للخانة دون روح حقيقية ودون حرص على الإتقان، والخداع والالتواء في التعامل، كانت كلها موجودة ولكن في نطاق ضيق. لأن بقية من الدين كانت تقف حائلا دون انتشارها. فلما ذهب - أو أضعف - نفوذ الدين، لم يعد هناك حائل، فاتسع نطاقها، وصارت أصلا من أصول المجتمع"المتحرر!". لا تستطيع أن تأمن عاملا إلا إذا وقفت على رأسه حتى يكمل العمل، ويعمل حينئذ وهو متضايق من مراقبتك له، حانق عليك لأنك لم تمكنه من الغش والخداع الذي تعود عليه. ولا تستطيع أن تثق بوعد يعدك إياه موظف أو عامل أو صاحب صنعة حتى تداوم التردد عليه إلى أن يجد أنه لا خلاص منك إلا بأداء العمل الذي طلبته منه.

وكانت الرشوة تقع في المجتمع لكن في جو من السرية والتكتم الشديد، لأن المرتشي يخاف والراشي يخاف، فتظل الرشوة محدودة النطاق، فأصبحت الرشوة - بعد زوال الحاجز الديني - أمرا علنيا، يتعالن به الراشي والمرتشي، بل أصبح لا يتم أمر إلا برشوة - إلا ما رحم ربك - وتذهب تطلب حقك الواضح الجلي الذي لا شبهة فيه فيقال لك: كم تدفع لتأخذ حقك؟!

(1) سورة البقرة [120] .

(2) سورة الأحقاف [11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت