الصفحة 30 من 60

تلك وأمثالها وقع التشابه فيها بين حال الأمة الإسلامية في عصورها الأخيرة وحال أوربا في عصورها المظلمة. ولكن يظل الفارق الرئيسي قائما يميز هذه عن تلك، سواء في الأسباب أو في وسيلة العلاج. فالأسباب عند أوربا - كما قلنا أكثر من مرة - هي في المنهج ذاته .. أي في الدين الذي اعتنقته أوربا خطأً على أنه دين الله. ومن ثم فالعلاج هو الخروج من ذلك الدين. أما عند الأمة الإسلامية فالأسباب هي ترك الدين الصحيح، ومن ثم فالعلاج هو العودة إلى هذا الدين!

وقد يقول قائل - بحسن نية أو بسوء نية - إن الدين حين يفسد يصير إلى تلك الصورة التي صار إليها في أوربا العصور الوسطى وفي أمة الإسلام المتأخرة. فالدين إذن هو الداء الذي يجب أن يُتَخَلّص منه لأنه عرضة دائما للفساد، وفساده يؤدي إلى الشرور!

وهي قولة مضللة .. وإن تذرع بها الملاحدة في جميع العصور!

إن الدين الذي ليس له كتاب محفوظ بحفظ الله يمكن أن يصير إلى أي شيء بلا ضابط، ويمكن للبشر أن يحدثوا فيه أي انحراف تمليه عليه أهواؤهم أو شهواتهم أو جهالتهم، ولا يكون عند الناس مرجع واضح للتصحيح. أما الدين المحفوظ بحفظ الله فليست له - في أصوله - إلا صورة واحدة، هي التي نزل بها من عند الله. ينحرف الناس عنها يمنة أو يسرة، ويطول انحرافهم أو يقصر، وتظل هي ثابتة لا تتغير لأنها محفوظة بحفظ الله، يرجع إليها الناس في أي لحظة يريدون التصحيح:

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [1] .

ولا يتعارض هذا مع حقيقة التغير الدائم في مظاهر الحياة البشرية، فهذا أمر قد أذن الله به، وأذن بالاجتهاد فيه، ولكن الله لم يأذن بتغيير أصول دينه، كما أنزلها وثبّتها في كتابه المنزل، وكما علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وعلمها علماء الأمة الموثوقون لأجيال الأمة جيلا بعد جيل. وهذه هي التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي" [2] .

وحين تحيد الأمة عنها - لسبب من الأسباب - يحدث المرض في حياة الأمة، ويكون العلاج دائما هو العودة إلى الأصل المحفوظ.

هذا الفارق الضخم بين انحرافات أوربا النابعة من دينها المحرف الذي لم تعرف غيره، وانحرافات المسلمين النابعة من تركهم أصول دينهم المحفوظ بحفظ الله، هو الذي غاب - في زحمة الأحداث - عن التنويريين، فدعوا إلى ما دعوا إليه من نبذ الدين، أو في القليل تحجيمه في الحدود التي حجَّمته فيه أوربا، ومنعه من الهيمنة على الحياة.

وهو خطأ لا يمكن الاعتذار عنه .. فإن أول دعوى التنويريين هي استخدام العقل، والعقلانية. ولو استعملوا عقولهم - كما ينبغي لهم - لعرفوا هذه الحقائق التي سردناها، ولعرفوا الفارق في الأسباب، الذي يترتب عليه الفارق في وسيلة العلاج.

ولكنهم - في زحمة الأحداث، أو قل في زحمة الانبهار - لم يكونوا في وعي مما يقولون ومما يفعلون، وإن خيل إليهم أنهم في قمة الوعي .. وفي قمة النور!

(1) سورة الحجر [9] .

(2) أخرجه الشيخان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت