الصفحة 8 من 60

فلئن كان التفلت من التكاليف والميل مع الشهوات نقطة ضعف في الكيان البشري، فقد وضع الله لها علاجا شافيا في منهجه الرباني، حيث قال سبحانه:

(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [1] .

والتذكير ليس كله وعظا كما ظنت الأمة في فترتها الأخيرة! إنما الوعظ - على ضرورته - دواء مكتوب عليه"لا تتجاوز المقدار"!!

يقول الصحابة رضوان الله عليهم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة (أي بين الحين والحين) مخافة السآمة!

إنما التذكير يكون بالقدوة الحسنة مع الموعظة .. وقبل الموعظة .. وبعد الموعظة!

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [2] .

والذي حدث في تاريخ الأمة أن التذكير بالقدوة الحسنة قد قلت نسبته - وإن بقي الوعظ - فتكاثرت المعاصي وحدثت أمراض كثيرة في السلوك.

ومهمتنا هنا على أي حال هي تسجيل أمراض السلوك كما سجلنا من قبل أمراض العقيدة، ولكن كان لا بد من الإشارة التي أشرناها إلى ارتباط السلوك بالعقيدة في الإسلام، لأن الفصل بين الأمرين هو من الأمراض التي أصابت الأمة على يد الفكر الإرجائي، الذي سبقت الإشارة إليه في أمراض العقيدة!

وقائمة أمراض السلوك قد تطول! ولكنا هنا نكتفي بذكر أبرزها:

(1) خلف المواعيد والاستهانة بالوعد كأنه غير ملزم لصاحبه، إنما هو مجرد كلمة يطلقها في الفضاء!

(2) الكذب .. وفي كثير من الأحيان بغير موجب للكذب!

(3) الغيبة والنميمة.

(4) الالتواء في التعامل مع الآخرين، وتجنب الاستقامة، واعتبار ذلك من البراعة!

(5) عدم الأمانة في العمل: في الصغير والكبير، الغني والفقير،"العظيم"والحقير .. إلا من رحم ربك.

(6) عدم احترام الوقت .. والتفنن في تضييعه و"قتله"بشتى الطرق، وأهونها الفراغ الطويل الذي لا يمل منه صاحبه، ولا يشعر فيه أنه قد أضاع شيئا ثمينا كان يجب أن يحرص عليه.

(7) ضعف الهمة للعمل وعدم الرغبة في بذل الجهد .. إلا كرها!

(8) عدم الرغبة في الإتقان .. وقضاء الأمور في أقرب صورة"لسد الخانة".. وحتى هذه فلا يقوم بها صاحبها إلا مخافة اللوم أو التقريع أو العقاب!

(9) الغش، وعدم التحرج من إتيانه كأنه حق من الحقوق المشروعة!

(10) الاستهانة بمسئولية الإنسان عن عمله، وعدم الشعور بالتأثم من الخطأ أو الإهمال إو إضاعة حقوق الناس أو مصالحهم أو أموالهم أو راحتهم أو أمنهم.

(11) إهدار"المصلحة العامة"، وعدم الإحساس بالمسئولية تجاهها. ليس فقط بسبب انصراف كل إنسان إلى مصلحته الخاصة، دون نظر إلى ما يقع منه من تجاوزات في سبيل الحصول عليها، ولكن لانعدام الحس بوجود شيء مشترك يقوم كل إنسان من جانبه برعايته والحرص عليه، وتظهر نماذج من ذلك في إتلاف الصنابير العامة وترك الماء يسيل منها بلا حساب، وتقطيع الأشجار العامة، وإتلاف نباتات الحدائق، وإلقاء القمامة في الطرقات العامة، وتحويل أي مساحة خالية إلى مباءة لإلقاء القاذورات، أو ما هو أسوأ من ذلك مما يبعث الروائح الكريهة فيها!

(12) الملق لأصحاب السلطة، بمناسبة وبغير مناسبة!

(13) الرياء في أداء الأعمال، الذي يحولها إلى أعمال مظهرية لا يقصد بها مضمونها الحقيقي، سواء كان العمل مشروعا عاما يقصد به الدعاية المظهرية أو عملا خاصا لإرضاء الآخرين ونيل ثنائهم دون إيمان حقيقي به!

(1) سورة الذاريات [55] .

(2) سورة الأحزاب [21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت