ففي هذه الحالة اتفق السلف والخلف وفقهاء المذاهب الأربعة والمحدثون والمفسرون في جميع العصور الإسلامية إطلاقًا أن الجهاد في هذه الحالة يصبح فرض عين على أهل هذه البلدة التي هاجمها الكفار وعلى من قرب منهم، بحيث يخرج الولد دون إذن والده والزوجة دون إذن زوجها والمدين دون إذن دائنه، فإن لم يكف أهل تلك البلدة أو قصروا أو تكاسلوا أو قعدوا يتوسع فرض العين على شكل دوائر الأقرب فالأقرب فإن لم يكفوا أو قصروا فعلى من يليهم ثم من يليهم حتى يعم فرض العين الأرض كلها.
ثم نقل رحمه الله مقتطفات مختصرة من الأدلة المتواترة فكان مما ذكر:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط - كالزاد والراحلة - بل يدفع بحسب الإمكان ونص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم) ، وفي موضع آخر نقل قوله: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعًا فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه) .
ثم نقل الشيخ عبد الله رحمه الله موجزًا من آراء المذاهب الأربعة في المسالة فقال:
أولًا: فقهاء الحنفية:
قال ابن عابدين في حاشيته ج3 ص 238: (وفرض عين إذا هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام، فيصير فرض عين على من قرب منه، فأما من وراءهم ببعد من العدو فهو فرض كفاية إذا لم يحتج إليهم، فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان بقرب العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا ولكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم، لا يسعهم تركه، وثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقًا وغربًا على هذا التدريج) انتهى.