الحضارة يمكن أن تقوم في كل مكان وفي كل بيئة .. تقوم بهذه القيم . أما أشكالها المادية التي تتخذها فلا حد لها ، لأنها في كل بيئة تستخدم المقدرات الموجودة بها فعلًا وتنميها
المجتمع الإسلامي إذن - من ناحية شكله وحجمه ونوع الحياة السائدة فيه - ليس صورة تاريخية ثابتة ، لكن وجوده وحضارته يرتكنان إلى قيم تاريخية ثابتة .. وحين نقول:"تاريخية"لا نعني إلا أن هذه القيم قد عرفت في تاريخ معين .. وإلا فهي ليست من صنع التاريخ ، ولا علاقة لها بالزمن في طبيعتها .. إنها حقيقة جاءت إلى البشرية من مصدر رباني .. من وراء الواقع البشري . ومن وراء الوجود المادي أيضًا .
والحضارة الإسلامية يمكن أن تتخذ أشكالًا متنوعة في تركيبها المادي والتشكيلي ، ولكن الأصول والقيم التي تقوم عليها ثابتة ، لأنها هي مقومات هذه الحضارة: ( العبودية لله وحده . والتجمع على آصرة العقيدة فيه . واستعلاء إنسانية الإنسان على المادة . وسيادة القيم الإنسانية التي تنمي إنسانية الإنسان لا حيوانيته .. وحرمة الأسرة . والخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه .. وتحكيم منهج الله وشريعته وحدها في شؤون هذه الخلافة ) ..
إن"أشكال"الحضارة الإسلامية التي تقوم على هذه الأسس الثابتة ، تتأثر بدرجة التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي ، لأنها تستخدم الموجود منها فعلًا في كل بيئة .. ومن ثمَّ لا بد أن تختلف أشكالها .. لا بد أن تختلف لتضمن المرونة الكافية لدخول كافة البيئات والمستويات في الإطار الإسلامي ، والتكيف بالقيم والمقومات الإسلامية .. وهذه المرونة - في الأشكال الخارجية للحضارة - ليست مفروضة على العقيدة الإسلامية التي تنبثق منها تلك الحضارة إنما هي من طبيعتها . ولكن المرونة ليست هي التميع .. والفرق بينهما بعيد جدًا !
لقد كان الإسلام ينشئ الحضارة في أواسط أفريقية بين العراة .. لأنه بمجرد وجوده هناك تكتسي الأجسام العارية ويدخل الناس في حضارة اللباس التي يتضمنها التوجيه الإسلامي المباشر ، ويبدأ الناس في الخروج كذلك من الخمول البليد إلى نشاط العمل الموجه لاستغلال كنوز الكون المادي ، ويخرجون كذلك من طور القبيلة - أو العشيرة - إلى