فأما قضية النشاط الفكري ، وضرورة رد هذا النشاط إلى التصور الإسلامي ومصدره الرباني ، تحقيقًا للعبودية الكاملة لله وحده ، فهذه هي القضية التي تقتضي منَّا بيانًا كاملًا لأنها قد تكون بالقياس إلى قُرَّاء هذا البيان - حتى المسلمين منهم الذين يرون حتمية رد الحاكمية والتشريع لله وحده - غريبة أو غير مطروقة !
إن المسلم لا يملك أن يتلقى في أمر يختص بحقائق العقيدة ، أو التصور العام للوجود ، أو يختص بالعبادة ، أو يختص بالخلق والسلوك ، والقيم والموازين ، أو يختص بالمبادئ والأصول في النظام السياسي ، أو الاجتماعي ، أو الاقتصادي ، أو يختص بتفسير بواعث النشاط الإنساني و بحركة التاريخ الإنساني .. إلا من ذلك المصدر الرباني ، ولا يتلقى في هذا كله إلا عن مسلم يثق في دينه وتقواه ، ومزاولته لعقيدته في واقع الحياة .
ولكن المسلم يملك أن يتلقى في العلوم البحتة ، كالكيمياء ، والطبيعة ، والأحياء ، والفلك ، والطب ، والصناعة ، والزراعة ، وطرق الإدارة - من الناحية الفنية الإدارية البحتة - وطرق العمل الفنية ، وطرق الحرب والقتال - من الجانب الفني- إلى آخر ما يشبه هذا النشاط .. يملك أن يتلقى في هذا كله عن المسلم وغير المسلم .. وإن كان الأصل في المجتمع المسلم حين يقوم ، أن يسعى لتوفير هذه الكفايات في هذه الحقول كلها ، باعتبارها فروض كفاية ، يجب أن يتخصص فيها أفراد منه . وإلا أثم المجتمع كله إذا لم يوفر هذه الكفايات ، ولم يوفر لها الجو الذي تتكون فيه وتعيش وتعمل وتنتج .. ولكن إلى أن يتحقق هذا فإن للفرد المسلم أن يتلقى في هذه العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية من المسلم وغير المسلم ، وأن ينتفع فيها بجهد المسلم وغير المسلم ، وأن يشغل فيها المسلم وغير المسلم .. لأنها من الأمور الداخلة في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ" [1] .. وهي لا تتعلق بتكوين تصور المسلم عن الحياة والكون والإنسان ، وغاية وجوده ،
(1) - قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: قَدِمَ نَبِىُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ « مَا تَصْنَعُونَ » . قَالُوا كُنَّا نَصْنَعُهُ قَالَ « لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا » . فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ - قَالَ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ « إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ رَأْىٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ » .صحيح مسلم- المكنز - (6276 و6277) وعَنْ عَائِشَةَ وأَنَسٍ ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ أَصْوَاتًا ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الأَصْوَاتُ ؟ قَالُوا: النَّخْلُ يَأْبُرُونَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ: لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا لَصَلُحَ قَالَ: فَلَمْ يَأْبُرُوا عَامَئِذٍ ، فَصَارَ شِيصًا ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ ، فَشَأْنُكُمْ بِهِ ، وَإِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِليَّ."الفوائد لتمام 414 - (2 / 125) (1167) صحيح"
يأبر: يلقح -نفضت: أسقطت ثمرها -الشيص: التمر الذى لم يتم نضجه
قَالَ الْعُلَمَاء: وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْل خَبَرًا ، وَإِنَّمَا كَانَ ظَنًّا كَمَا بَيَّنَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَات . قَالُوا: وَرَأْيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمُور الْمَعَايِش وَظَنّه كَغَيْرِهِ ، فَلَا يُمْتَنَعُ وُقُوع مِثْل هَذَا ، وَلَا نَقْص فِي ذَلِكَ ، وَسَبَبه تَعَلُّق هِمَمهمْ بِالْآخِرَةِ وَمَعَارِفهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . شرح النووي على مسلم - (8 / 85)
قلت: المقصود به أنتم أعلم بأمور دنياكم فيما لم يرد فيه نص عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، سواء أكان في أمور الدين أو الدنيا ، فالرسول صلى الله عليه وسلم كل ما قاله أو فعله وسكت عليه الوحي فهو حق ومطابق للواقع وللعلم ، لا يجوز ردُّه بحال ،وقد حاول بعض المنبهرين بحضارة الغرب العفنة أن يردَّ كل أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم المتعلقة بأمور الحياة من طب وزراعة وصناعة وسياسة وغير ذلك ، ولا حجة في الحديث لهم بتاتًا ، فهو من العام المخصوص بيقين ، وإلا اتهمنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالكذب ، لأنه يقول بلا علم ويضحك على الناس ، فهو عندما يقول:"الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام"فهو حق مطابق للواقع وللعلم فهو كما قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) [النجم: 3 ، 4]