بل لم يكن كذلك المجتمع المسلم إلى عهد قريب - مع كل ما أصابه من فساد خلال القرون - إلى ما قبل الحملة الفرنسية على وجه التحديد .
لقد بدأت الفُرقة بين مثل الدين والسلوك الواقعي مبكرة في تاريخ الإِسلام .. من عهد الأمويين مثلا .. ولكنها كانت فرقة لا تخل بقواعد المجتمع المسلم في مجموعه . كانت الحكومة في العاصمة هي التي تفسد - فسادًا جزئيا - في سياسة الحكم والمال . ولكن المجتمع في غير العاصمة ظل إلى حد كبير يمارس أصول الإِسلام وقواعده ، وتحكم حياته المفاهيم الإسلامية في الكليات والجزئيات . والأهم من ذلك كله أن نظام المجتمع كان يقوم على الإسلام ابتداء ، ويستمد قوانينه كلها من شريعة الإسلام ولا يستمدها من أي مصدر سواه .
ثم اتسعت هذه الفرقة حين حكم الأتراك ...
ومع ذلك فقد ظل كثير من أمور المجتمع ومفاهيمه إسلامية خالصة ، وكذلك سلوكه العملي وأخلاقه ومعاملاته وتصوراته وأفكاره .
حتى كان الغزو الصليبي الأخير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر . وامتداده في القرن العشرين .
وعند ذلك حدث اختلاف كبير في المجتمع المسلم .. واختلال كبير ..
وهذا الكتيب الصغير محاولة - سريعة - لتتبع هذا الخط الذي أدى إلى انحسار المفهوم الإسلامي الضخم الشامل ، لكي يصبح جزئيات مبعثرة لا رابط لها ولا دلالة فيها .. ولكي يصبح مجرد عبادات - مخلصة أو غير مخلصة - يحسب أصحابها أنها الإِسلام كله ، وأنهم ملاقو ربهم بها وقد رضي عنهم ورضوا عنه .. حتى وهو يقول لهم في كتابه العزيز إن ذلك ليس هو الإِسلام كما أراده الله !
فإذا عرفنا كيف نبع هذا الانحراف وامتد .. فلعلنا أن نصحو إلى ما فيه من كيد .. ولعلنا أن نفيء إلى الله وإلى أنفسنا ..
ونعود مسلمين ..
والله الموفق إلى ما يريد .
محمد قطب