حقيقة إن الاستعمار الأوربي - المدفوع قطعا بدوافع اقتصادية - لم يقتصر على العالم الإِسلامي ، وإنما استعمر كل أرض استطاع أن يغتصبها من أصحابها في الشرق أو الغرب . ولكن هذه الحقيقة لا يجوز أن تلهينا عن الحقيقة الأخرى وهي أن الدافع الصليبي كان راسخا وأصيلا في اتجاه الاستعمار الأوربي إلى العالم الإِسلامي ، وأن الدافع الاقتصادي لم يكن وحده هو المسيطر على مشاعر المستعمرين تجاه المسلمين ، بدليل كافٍ واضح - سنبينه في هذا الفصل - هو أنهم لم يكتفوا في العالم الإِسلامي بالاستغلال الاقتصادي ، وإنما عملوا عملا جادًا متواصلا مصرًا على تحطيم قواعد الإِسلام ، وتوهين عراه في النفوس ، بينما لم يتعرضوا أي تعرض للهندوكية في الهند - مثلا - ولا للبوذية في الصين ، وهما من الوجهة العددية أضعاف المسلمين !
هذا بالنسبة للنقطة الأولى ، الخاصة بالهدف الصليبي في الحملة الفرنسية على مصر ، الذي ينبغي أن يكون قد اتضح - فيما أحسب - في نفوس القراء ، والذي يفسر لهم - فيما أحسب كذلك - سر وضع القوانين"المدنية"ليحكم بها المسلمون في مصر .. بمعزل عن شريعة الله .. وحصر هذه الشريعة في"الأحوال الشخصية"للمسلمين !
أما النقطة الثانية ، الخاصة بالخير والبركة العميقة التي حلت بمصر والعالم الإِسلامي نتيجة هذه الحملة .. فتدور حولها كذلك في نفوس المسلمين أوهام وأساطير ! بما في ذلك"المؤرخون"المسلمون المحدثون !