الصفحة 104 من 224

مرسلٌ لا أصل له ولا ساق، يتعالون به على غيرهم وهم من مقتضى دعواهم خواء {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحبّاؤه قل فلِمَ يُعذِّبُكم بذنوبكم بل أنتم بشرٌ ممّن خلق} [المائدة: 18] ، {وقالوا لن يدخل الجنّة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيّهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: 111] .

بل الحقّ ما شهدوا به على أنفسهم - {وشهد شاهد من أهلها} : {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب} [البقرة: 113] .

إنّ دينًا يلتقي مع الفطرة الإنسانيّة، ويتواصل معها في نسيج مؤتلف محكم .. لحقيق به أن يحوز من التوازن والتكامل والشمول، ما يجعله الأوسط الأعدل الأكمل .. {ومن أحسن دينًا ممّن أسلم وجهه لله وهو محسن واتّبع ملّة إبراهيم حنيفًا} [النساء: 125] .

مفهوم الوسطيّة

الوسطيّة هي الإسلام، الإسلام بكلّ شرائعه. وغياب هذا الفهم هو الذي أصاب مفهوم الوسطيّة عند بعضنا بخلل عظيم، حتّى صار كأنّه أمر نسبيّ، فكلّ من وقف بين طرفين، أو بين متقابلين؛ إعتبر نفسه صاحب منهجٍ وسطٍ معتدل، حتّى وإن كان - في موقفه هذا - قد جافى الخير عند كلٍّ منهما!!

والدين يسرٌ .. يسرٌ بكلّ شرائعه {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] ، {يريد الله أن يخفّف عنكم} [النساء: 28] ، {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} [المائدة: 6] ، {وما جعل عليكم في الدين من حرج ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} [الحجّ: 78] .

إذًا فالوسطيّة هي الإسلام، وليس ثمّ فيه ما هو تشدّد أو غلوّ، فالتزام شرائعه كلّها، ما شقّ على نفوسنا وما لم يشقّ؛ هو اليسر بعينه، لأنّ ما شقّ ليس لأنّه في ذاته كذلك، بل لضعفٍ فينا نُسأل عنه، وقصور منّا عن الارتقاء لمقامه، قال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنّها لكبيرة إلا على الخاشعين} [البقرة: 45] ، {كُتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة: 216] ، {لو كان عَرَضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا لاتّبعوك ولكن بعدت عليهم الشقّة} [التوبة: 42] .. فثِقل الصلاة، وكراهية القتال، ومشقّة اتّباع النبيّ صلى الله عليه وسلم والخروج معه .. لم تكن مشقّتها من جهة التكاليف ذاتها، وإنّما من جهة ضعف بعض المكلّفين بها، وهذا فارق دقيق يميّز بين أمرين:

الأوّل: التهاون في امتثال أوامر الله استثقالًا لها، مع تعليق القعود عنها على مشجب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت