(إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَّتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاَءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ المُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، وَتجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ المُؤْمِنُ هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ النَّاسَ الَّذِي يُحِبُ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْه) [1] .
وقوله: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) [2] .
وكيف لا يَقِيهِم الله تعالى الفتن المظلِمة، والبلايا المدلهمة، والذُّلَّ الذي عم الأمة، وهم مِنْ بَين خلق الله تعالى كُلِّهِمْ لَمْ يتركوا سبب العزة، ولم يَتَلَبَّسُوا بِمُوجِبَاتِ الذِّلَّة، التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَاتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ فيِ سَبِيلِ اللَّهِ، أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاَّ، لاَ يَرْفَعُهُ عَنْكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) [3] .
ولهذا فقد ضَمِنَ الله تعالى لهم ما لم يضمن لغيرهم، فجعلهم أخص بالهداية من غيرهم، وأحق بالحق ممن دونهم، تحقيق ذلك فيما ذكره شيخ الإسلام إذ يقول: (ولهذا كان الجهاد مُوجِبًا لِلْهِدَايَةِ التي هي محيطة بأبواب العلم، كما دل عليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَّنَّهُمْ سُبُلَنَا} ، فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد ابن حنبل وغيرهما:"إذا اختلف الناسُ في شَيْءٍ فانظروا مَإذَا عليه أهل ألثغْرِ فإن الحق معهم، لأن الله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَّنَّهُمْ سُبُلَنَا} ") [4] .
(1) رواه مسلم برقم (3431) .
(2) رواه مسلم برقم (169) .
(3) رواه أحمد (4765) ، وأبو داود برقم (3003) ، وهو حسن.
(4) مجموع الفتاوى (44228) .