قال الله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القُرُونِ مِنْ قَبْلَكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ، وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِين} . قال ابن كثير رحمه الله: (يقول تعالى: فَهَلاَّ وُجِدَ من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشُّرُورِ والمنكرات والفساد في الأرض، وقوله تعالى: {إِلاَّ قَلِيلا} ، أي قد وُجِدَ منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيرا، وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه، وفجأة نقمته) [1] .
وقد قضى الله تعالى قضاء لا يرد على لسان رسوله: (أن فئة من أمة خاتم الأنبياء باقية إلى قيام الساعة، لا تُبَدِّلُ إذا بدل الناس، ولا تَفْسُدُ إذا فسد الناس، ولا تُذَلُّ إذا ذَلَّ الناس) .
وإذا كان للطوائف العاملة للإسلام اليوم أن تزعم أنها سائرة على منهج الرسول، بل ويستطيع بعضها أن يَدَّعي أنه الطائفة المنصورة التي وَعَدَ النبي صلى الله عليه وسلم ببقائها ودوامها وظهورها، فإن للذين يدافعون أعداء الملة والدين، وينصرون الإسلام والمسلمين، أن يفرحوا بما اختصهم الله تعالى بهم من دون خلق الله جميعا من التفرد بِالذَّودِ عن حياض الدين، ومدافعة أهل الكفر والظالمين؛ وَلِمَ لاَ يَفْرَحُونَ وقد امتن الله سبحانه وتعالى عليهم كما امتن على أصحاب رسول الله حين اختصهم بخير لم يشاركهم فيه غيرهم، فضلا من الله ورحمة، فقد أخرج البخاري في صحيحه برقم (567) ومسلم برقم (1014) عن أبي موسى الأشعري قال: كنت أنا وأصحابي الذين قَدِمُوا مَعِي في السَّفِينة نزولا في بقيع بطحان، والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فكان يتناوب النبي صلى الله عليه وسلم عند العشاء كل ليلة نَفَرٌ منهم، فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأصحابي، وله بعض الشغل في بعض أمره، فأعتم النبي صلى الله عليه وسلم حتى ابْهَارَّ الليل، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم، فلما قضى صلاته قال لمن حضره: (عَلَى رِسْلِكُمْ أَبْشِرُوا، إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُم) ، قال أبو موسى: فرجعنا ففرحنا بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فَحُقَّ أن يُقَالَ لمن ينصر الإسلام في هذا الزمان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبشروا، إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس ينصر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في هذه السَّاعة غيركم) .
وأيم الله، إنهم لأَهْلٌ لذلك، وقد أقاموا أمر الله تعالى إذ ضيعه غيرهم، ورفعوا لواء الحق إذ خذله سواهم، فهم أسعد الناس في هذا الزمان العصيب بالنجاة من الفتن المتلاحقة، التي ألحقت أقوامًا بالمشركين، وَزَرَعَتِ الرَّيْبَ في قُلُوبِ ضِعَافِ اليقين، وأوقعت الهزيمة في نفوس كثير من المسلمين، وهي الفتن التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في مثل قوله:
(1) التفسير (3094) .