الصفحة 130 من 224

وقد جعل الله تعالى ظهور الأعداء، وتلاحق الفتن والبلاء، سببا للتمحيص، قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب} ، ولا أعظم في إقامة الحجة من ظهورها لصاحبها من نفسه، فلهذا صار الأمر بهذه الأحداث العظيمة التي أصابت الأمة أبلج، ولم يعد لأهل النفاق فيه مخرج، فتمايزت بحمد الله الصفوف، وخلص أهل الحق من بين أهل النفاق، وانحاز كثير من أدعياء الإصلاح ومدعي العلم إلى قوافل الخذلان والخسران، وصاروا يرددون ما يردده أعداء الدين، ويسهمون في تثبيط أهل الحق، وتخدير المسلمين، ويبثون الهزيمة في النفوس، ويصورون الخنوع في صورة الفضيلة، والغيرة على الدين في صورة الغلو والرذيلة، ويتسترون على خيانة الخائنين، وعمالة الدخلاء، التي ما عادت تخفى على أحد من العالمين، ولا يجدون غضاضة في خدمة العَلْمَانيين، وممالئة أعداء الدين، والترقيع للذين بدلوا دين الله، ونشروا الخنى والفساد، حتى بلغ الأمر ببعضهم إلى الإفتاء بإعانة الكافرين على قتل المسلمين، واستباحة أرضهم وأعراضهم، وطمس معالم دينهم، باسم العلم والمصلحة الشرعية. والله المستعان.

ولعمر الله إن نفاق هؤلاء الذين يتسربلون بلبوس العلم ويتزيون بلباس الحكمة قرين لريائهم، والرياء خاصة أهل النفاق، كما دل على ذلك كتاب الله تعالى، فلا غرو أن يُعِدَّ الله تعالى لعلماء السوء الذين يضلون الأمة، ويعيقون أسباب نهضتها، ويمكنون لأعداء الله فيها، أن يُعِدَّ لهم من العذاب ما لم يعده لغيرهم من العالمين، فقد روى البيهقي في السنن، بسند حسن، من حديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الحُزْنِ) ، قيل: يا رسول الله وما جب الحزن؟ قال: (وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينٍ مَرَّةً، أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْقُرَّاءِ المُرَائِينَ) .

وبظهور كمائن المنافقين، وخيانة المتسترين، وضغائن العَلْمَانيين، انجلى الفرقان بين صف أهل الإيمان، وصف أهل الضلال والطغيان والخذلان، فكان الأمر مثلما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فيما حَدَّثَ بِهِ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا قعودًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن فأكثر من ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله، وما فتنة الأحلاس؟ قال: (هِيَ هَرَبٌ وَحَرْبٌ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ، دَخَلُهَا أَوْ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي، إِنَّمَا أَوْلِيَائِي المُتَّقُونَ .. ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لاَ تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلاَّ لَطَمَتْهُ لَطْمَةً، فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ عَادَتْ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ، فُسْطَاطُ إِيمَانِ لاَ نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطُ نِفَاقٍ لاَ إِيمَانَ فِيهِ) [1] .

(1) رواه أحمد (6168) ، وأبو داود (4242) ، وغيرهما، وقال شعيب الأرنؤوط إسناده صحيح، شرح السنة للبغوي (15/ 20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت