فهرس الكتاب
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كَيْفَ بِكُمْ وَزَمَانٌ أَوْشَكَ أَنْ يَأْتِي يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، وَالنَّاسُ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا، وشبك بين أصابعه؟ قالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ قال: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ وَتَدَعُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُم) [1] .
ثالثًا: إن تأخر النصر، وتمادي الشر، مدعاة للخوف والحذر، لا لليأس والقنوط، فإن من سنن الله تعالى في أهل الظلم والطغيان، أن يستدرجهم، ويمهلهم إلى أجل مضروب، لا يستقدمون عنه ولا يستأخرون، ويرسل عليهم بين ذلك ما يذكرهم بآياته، ويقيم عليهم حججه وبيناته، ويخوفهم من عقوبته وانتقامه، قال تعالى: {وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَاد} ، ولكنهم لا يذكرون ولا يرجعون، ولا يزيدهم إلا طغيانًا كبيرا، بل يظنون لقلة عقولهم، وقصر نظرهم، وانطماس بصائرهم، وبرودة مشاعرهم، أن ما يدركونه من خير زائل دليل على أنهم يحسنون صنعا، قال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ مَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُون} ، ولو تأمل العاقل، لعلم أن تأخر الدوائر عن أمريكا وأذنابها، مع ما جاءت به في مدتها من بغي وظلم، وعدوان منقطع النظير، على الناس عموما، وعلى أهل الإسلام خصوصا، إنما ذلك لأن ما سيصيبها من نفسها، أو بأيدي المؤمنين، أو من عند الله تعالى، سيكون أنكى وأشد، وربما عم ولم يخص، وبلغ ما بلغ الليل والنهار، وطال جميع الدائرين في فلكها، المعاونين لها في طغيانها، إن لم يتوبوا ويقلعوا، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ، ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون} ، وقال تعالى: {وَكَأَيٍّ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ، ثُمَّ أَخَذْتُهُا وَإِلَيَّ المَصِير} ، وقال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ، وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً، وَلاَ يَسْتَقْدِمُون} .
ألا ترى إلى أوربا وما أصابها في الحربين العالميتين الأولى والثانية، من فشو القتل في أبنائها بما لم يعرف التاريخ له مثيلا، وانتشار الدمار في أرجائها، وما ذلك إلا بِسَبَبِ عتوها، وفسادها في الأرض، وعدوانها على المسلمين، وقهرها للمستضعفين، واستعمارها لبلادهم، وسطوها على خيراتهم، فتلك كانت عاقبتهم، ولعل ما ينتظر العالم أجمع من مشاركة أمريكا في ظلمها، أو السكوت عن بغيها، وخاصة على أهل الإيمان، والمستضعفين من أهل الإسلام، يُنْذِرُ البشرية بهلاك شامل، ولربما هو الذي أشار إليه الصادق المصدوق فيما أخرجه البخاري (5577) ، ومسلم (4827) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ العِلْمُ - أو العَمَلُ - وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ، قالوا:
(1) أخرجه أحمد (2202) ، وأبو داود (4/ 3432) ، وغيرهما، وصححه الألباني.