فهرس الكتاب
الإسلام في شيء، ولن تقضي على أهل الحق، ولن تعيق تحقق وعد الله تعالى بسيادة الدين، ورجوع الخلافة على منهاج النبوة التي وعد بها الصادق الأمين، فلا ينبغي لأهل الحق أن يستنكفوا عن نصرة الدين، أو ينكلوا عن العمل، أو يتطرق إلى نفوسهم اليأس والملل، فإن الصبح بإذن الله قريب، وهم في مدافعتهم لأهل الباطل فائزون بإحدى الحسنيين، ولا ينبغي أن يغفلوا عن أعظم وسيلة للمستضعفين لا يتركها إلا قساة القلوب وأهل الغفلة عن معاني العبودية لرب العالمين، قال تعالى: {فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا، وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون} .
وليُعْلَم، أن من أعظم أبواب الصبر في هذا الزمان، تريث أهل الحق وعدم الاستعجال، فإن ما فسد في عقود وقرون، لا يمكن أن يُصْلَحَ في أيام أو شهور، ولهذا فقد قال أئمتنا: (من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه) ، فلا ينبغي الاستعجال في التغيير، ولا ينبغي التسرع في التدبير، بل ينبغي أن يُقَدَّرَ لِكُلِّ حَالٍ ما يُنَاسِبُهَا، وأن يسترشد في ذلك بفتاوى أهل العلم الربانيين، وطلبة العلم الصَّادقين، الذين لهم علم بكتاب الله وسنة رسوله، ويلتزمون بمنهج السلف، ويهتدون بهدي أئمة السنة، ويفهمون واقع الأمة، ويفقهون دلائل المنقول والمعقول، ويقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم، ولا يركنون إلى ظالم، ولا يُخَذِّلُونَ عن أنصار الحق، فهؤلاء الذين ينبغي الثقة بهم، والتقيد بكلامهم، والحرص على الارتباط بهم، وهم ولله الحمد ظاهرون على قلتهم، متميزون رغم التعتيم والاضطهاد.
الأمر الثاني، البيان الصادق، فإن من أعظم أسباب نصرة الدين، وأهم وسائل المدافعة والجهاد، البيان الصَّادق لهذا الدين، فقد أخرج الإمام مسلم في كتاب الإيمان برقم (71) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ) .
وقد أرسل الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام إلى فرعون وَمَلَئِهِ، ولم يبعث معه جيوشًا ولا عتادا، ومع ذلك قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِين} ، وإنما كان معه ما تقوم به الحجة والبيان على صحة ما أُرْسِلَ بِهِ، وبطلان ما عليه خصومه، فإن السُّلْطَان في كتاب الله تعالى"نوعان: سلطان الحجة والعلم، وهو أكثر ما سمي في القرآن سلطانًا، حتى روى ابن عباس أن كل سلطان في القرآن فهو سلطان الحجة، والثاني: سلطان القدرة، والعمل الصالح لا يقوم إلا بالسلطانين" [1] .
(1) مجموع الفتاوى (2919) .