فهرس الكتاب
ولا يُنْتَظَرُ من عموم الأمة أن تقوم بنصرة هذا الدين، فإن ذلك لا يصح لا في العقل ولا في الشرع، ولم يتحقق في أي وقت أو حين، لأن الأمر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المائَةِ لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَة) [1] ؛ فالأمل معقود بإذن الله تعالى على العلماء الصادقين والدعاة المخلصين والمجاهدين، الذين يعلمون الحق، ويرحمون الخلق، ويفقهون أدواء الأمة، ويعلمون دواءها، ويميزون بين العدو والولي، ويتبرؤون من كل عَلْمَاني غوي، ويبرؤون إلى الله من الشرك والبدع والأهواء، ويصطبرون على كيد الأعداء، ويؤمنون أن دين الله لن ينتصر بمناهج الرخاء.
على أن الطريق لا يزال طويلا، إذ الأعداء يتكاثرون، والمنافقون يتزايدون، والمخَذِّلون يتضاعفون، والمنهزمون يتراكمون؛ فعلى الدعاة الصادقين أن يثبتوا ولا ينثنوا، وأن يستعينوا على نصرة دين الله تعالى وإنقاذ الأمة في هذا الوقت العصيب بأمرين اثنين:
الأمر الأول، الصبر والاستعانة بالله، فإن تجبر الأعداء، وتكالب المنافقين والعَلْمَانيين، لا ينبغي أن يفل من عزائم أهل الحق، بل عليهم أن يُوقِنُوا أن الصبر على البلاء موجب لحسن العاقبة، ومقتضٍ لنصرة الرب جل وعلا، وأن مع العسر يسرا؛ وإن نسي أهل الحق فلا ينبغي أن ينسوا أن أمر هذا الدين قائم على الابتلاء والمصابرة، وأن تربية الرجال فيه لا تتم إلا بالمدافعة، وأن النصر فيه لا يأتي إلا بالمجاهدة، وأن التمكين لا يأتي إلا بالمكابدة، وأن سلعة الله غالية، وليذكروا كم عانى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من إذاية الكفار وحصارهم، وكم طال استضعافهم، حتى جاءهم الفرج بعد لأي، وقد قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيب} ، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِين} .
وقد ذكر الله تعالى لنا عُتُو فرعون وعلوه على المستضعفين من أتباع موسى عليه السلام، بما يماثل -بل يساوي- عتو المستكبرين والجبارين اليوم، فقال تعالى: {وَقَالَ المَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ، قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحِيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُون} ، فما كان جواب موسى عليه الصلاة والسلام، وهو الرسول الكريم المؤيد من قبل الله تعالى، إلا أن قال لبني إسرائيل، كما قال الله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا، إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين} ، وهذه السجون والمعتقلات التي تقام لأنصار الدين، والقوانين التي تسن لإرهاب المستضعفين، والخطط التي ترسم للنيل من أخلاق وأحكام دين رب العالمين، باسم صيانة"حريات"الهوى والشيطان، وتأليه"حداثة"الغرب والخسران، والحكم بين الناس بالديموقراطية وأهواء الإنسان، لن تضر
(1) رواه البخاري برقم (6133) ومسلم (2547) .