فهرس الكتاب
الأول: دخول الإسلام كطرف في الصراع، فليس يخفى أن أعداء الإسلام من صليبيين ويهود وعَلْمَانيين قد عملوا منذ أمد بعيد على تحييد الإسلام عن جميع المعارك، وعدم القَبُولِ به طرفًا في أي صراع، لِعِلْمِهِمْ الأكيد أن قدرة الإسلام على شحذ الهمم وتقوية النفوس لا يعادلها شيء ولا يقوم في وجهها بإذن الله أمر، وقد استطاعوا تحييد الإسلام في معركتين أساسيتين، أولاهما، معركة المسلمين مع اليهود في فلسطين، وثانيهما، معركة المسلمين من أجل التنمية والخروج من بوتقة التخلف.
لَكِنَّ الأحداث المتلاحقة والوعي المتراكم جعل كثيرًا من المسلمين يُدْرِكُون أن الصراع بينهم وبين أعداء الأمة في الداخل والخارج صراع ديني، سواء كان هذا الصراع ضد من يروم احتلال بلاد الإسلام وتدمير ما بقي من مقومات الأمة، أو كان ضد من يصبو إلى التمكين لمناهج العَلمانية وتجفيف منابع الدين فيها.
وقد ظهر فشل مخطط الأعداء في تنحية الإسلام عن ساحة المعركة، في البروز المتتالي للأحزاب الإسلامية وحركات المقاومة وجماعات الإصلاح التي تحاول -حسبما ثقفته من الإسلام- أن تقف في وجه المعتدين على الأمة في دينها وخيراتها وأعراضها، وقد بلغ هذا البروز الإسلامي أوجه بفضل الله في الآونة الأخيرة حين ارتفعت رايات الجهاد، وشاعت في الأرجاء أصوات العلماء الصادعين بالحق، حتى كادت الأحداث العالمية الكبيرة لا تقوم إلا وقد دخل الإسلام طرفًا فيها، فالحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.
الثاني: ثبات المؤمنين على دينهم، فإن المتأمل في أحداث هذا الزمان وما قبله، ليلحظ بجلاء، أن المسلمين من أدنى الأرض إلى أقصاها قد تعرضوا إلى ما لم يتعرض إليه ولا إلى قريب منه غيرهم، فاستعمرت أوطانهم، ونُشِرَ الفساد بينهم، وَبُثَّ الضلال في أبنائهم، وَأُعْمِلَ فيهم سيف التجهيل والتغريب والتنصير، وَأُفْسِدَتْ مناهج تعليمهم، وَدُجِّنَ علماؤهم، وَحُورِبَ الصادقون من دعاتهم، وألصقت بهم التهم الشنيعة والأوصاف الوضيعة، وتعرضوا للإبادات الجماعية، وَأُعْمِلَ فيهم التقتيل والتهجير على يد الشيوعيين، وعلى يد العَلْمَانيين، وعلى يد اليهود، وعلى يد الهندوس، وعلى يد الصين، وعلى يد الصليبيين الجدد، وغيرهم.
وهذه المحن العظيمة والبلايا الشديدة، وإن ألحقت فئامًا كثيرة بالمشركين والمنافقين، إلا أنها لم تنفع في اجتثاث جذوة الإيمان من قلوب الملايين من المسلمين، ولم تنجح في ثني الدعاة والمجاهدين عن نصرة هذا الدين، بل على العكس من ذلك ضاعفت من أعداد الناصرين لدين الله تعالى، وأوقدت الغيرة في نفوس الكثير من المسلمين، ولن يرى الصليبيون والعَلْمَانيون من ذلك إلا المزيد إن شاء الله تعالى، كلما اشتدت وطأتهم على المسلمين ودينهم، والحمد لله رب العالمين.