فهرس الكتاب
الثالث: إن المبشرات والوعود النبوية تتضمن في غالبها أوامر لتحصيل أسبابها والسعي لإدراكها، فلا ينبغي أن تكون ذريعة لترك العمل للدين والتخلف عن نصرته، كما يفعل بعض الأدعياء الذين خلطوا الإرجاء بالجبر، فَعَطَّلُوا مدافعة الباطل والنهي عن المنكر، وفصلوا بين الدين والسياسة باسم"السَّلفية"زعموا! ولتكن للمسلم أسوة في الطائفة المنصورة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تقاتل الدجال، مع علمها بأن لا سبيل لها إلى دفعه، وأن زوال أمره إنما يكون على يد عيسى، فلم يثنها ذلك عن النهوض بالأمر الشرعي، وعدم تعطيل الجهاد في سبيل الله، فقد روى الحاكم في مستدركه (4/ 497) عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُ آخِرُهُمْ الدَّجَّالَ) . ولهذا، فإن اجتهاد المسلم أولى له من ترقب الوعود عَلَّهَا تقع في زمنه أو لا، بل الواجب عليه أن يتشوف إلى المساهمة في تحقق الوعود الإلهية فيحضا بفضيلة التسبب في حصولها.
على أن الأمة اليوم في مسيس الحاجة إلى بث المبشرات في صفها، وترديد الوعود الإلهية بين أبنائها، دفعًا للإرجاف الذي يمارسه من حطمت الهزيمة نفسه، فصار إلى التخذيل والتثبيط، وإبطالًا لكيد العَلْمَانِيين الذين يريدون أن يطفئوا جذوة الإيمان في قلوب المسلمين، ويقنعوهم أن زمن الإسلام ولى إلى غير رجعة، وأن استئناف الحياة الإسلامية حلم خيالي لا سبيل إلى تحقيقه البتة. وأين ما يزعمه هؤلاء السفهاء ذوي العقول الكليلة والبصائر المنطمسة من قول الله جل وعلا: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا} ، وقول الصادق المصدوق: (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلاَمَ، وَذُلاًّ يُذِلُّ بِهِ الكُفْرَ) [1] ، وقوله: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت) [2] . وما أولئك العَلْمَانيين المحاربين لدين الله تعالى إلا كما قال الله عز وجل: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُون} .
وها هي بحمد الله دلائل الفَرَجِ لائحة، وعلامات خروج الأمة مِنَ التَّيْهِ بادية، ويقظة أهل الإسلام قريبة، وإن شئنا أن نحصي من ذلك شيئا، فلنذكر من ذلك مظهران بارزان:
(1) رواه أحمد (44361) ، وهو في السلسلة الصحيحة (1/ 7) للألباني.
(2) السلسلة الصحيحة (81) .