الصفحة 134 من 224

إن مما دل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول، أن طرق الاستنتاج العلمي الموصلة إلى بناء التصورات وتحصيل التصديقات، تنحصر في سبيلين عامين، هما الاستنباط والاستقراء، وأن هذين السبيلين إذا التزما على وجههما الصحيح أثمرا في بناء صحيح العلوم وسليم المعارف، مما يكون له الأثر الحسن في تقرير الأحكام وبناء المواقف، وإن من رحمة الله تعالى بالإنسان، أَنْ فَطَرَهُ على المبادئ التي يميز بها الصواب من الخطأ والصدق من الكذب، قبل أن تلقى إليه المعارف أو يلقن اللغات، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى الحجة بينه وبين خلقه من هذا الباب، فأمرهم أن يتدبروا كتابه فينظروا هل فيه شيء من التناقض الذي يعتري كل ما يستنتجه الإنسان من العلوم والمعارف، فقال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرا} ، كما أمرهم أن ينظروا في ما جاءهم به من أخبار وأن يستقرؤوا صدقها ليتبين لهم أن الحق الذي جاء من عند الله لا يتطرق إليه كذب أو يحوم حوله شك بسلطان، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَق} .

ولهذا، فإن كل مُستقرئٍ لِمَا أنبأ به النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار، يعلم أنه إما قد وقع وتحقق في سالف الزمان، وإما أن دلائل تحققه موجبة له بيقين وبرهان، ومن ذلك الوعود والمبشرات التي تدفع اليأس عن النفوس، وتعيد الأمل إليها، وترسخ فيها اليقين على نصرة الله تعالى لأهل دينه، وتؤكد بما لا يدع مجالا للريب أن المستقبل لهذا الدين. ولكن هذه المبشرات والوعود لا بد لأهل الإيمان أن يلحظوا بخصوصها ثلاثة أمور:

الأول: إنه لا ينبغي الاعتداد منها إلا بما كان صحيحًا حسبما توجبه قواعد العلم وأصول النقد الحديثي، فإن كثيرًا من الروايات التي يعتمدها البعض في هذا الزمان، ويبني عليها أحكامًا ومواقف، تكون ضعيفة أو موضوعة.

الثاني: إن تأويل أحاديث الفتن والمبشرات لا ينبغي أن يجري على سنن أهواء النفوس ومرامي العواطف، بل ينبغي أن يُلْتَزَمَ في ذلك بقواعد أهل العلم، فلا يُنَزَّل الحديث إلا على ما اسْتُيْقِنَ أنه مَنْزِله، إلا ما كان من الأحاديث الذي تتضمن معاني وَحِكَمًا لا تعلق لها بخصوص زمان أو مكان، وقد سمعنا إبان الحروب الصليبية الجديدة على دولة الإسلام في بلاد الأفغان وعلى المسلمين في العراق، من التأويلات البعيدة والتحليلات العجيبة ما يدل على تسرع أهلها وغفلتهم عن ضوابط أهل العلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت