أشرفُ من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا موضوع أشرف ممّا ابتعثه الله تعالى به. وقد قال الله تبارك وتعالى في شأن ما جاء به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم {يا أيّها الناس قد جاءكم برهانٌ من ربّكم وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا} [النساء: 174] . فسمّى ما جاء به من المحجّة الواضحة والسبل الهادية إلى ما فيه النجاة من عذاب الله «نورًا» ، وهو وإن قال المفسّرون أراد به القرآن، إلا أنّه شمل السنّة كذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث المقدام صلى الله عليه وسلم: «ألا إنّي أوتيت الكتاب ومثلُه معه» [رواه أبو داود في السنن وأحمد في مسنده] ، وإذا علمت ذلك فأقوالُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته أنوارٌ كلّها، وقد خاطب الله تعالى الأمّة بقوله: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] ، وهو أمرٌ عام في حقّ أهل زمانه، ومن جاء بعدهم، ولا وصول إلى من بعدهم إلا بالتبليغ كما قال الإمام البغويّ رحمه الله، ومن بلّغ شيئًا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنّما هو نورٌ يحمله من السابق إلى اللاحق، وبقدر ما يتحمل منه حفظًا وروايةً يحصل له من نضارة الوجه ونوره، ولذا دعا له النبيّ صلى الله عليه وسلم بنضارة الوجه، وقد قال بعض السلف رحمه الله تعالى: ما رأيت صاحب حديث إلا ورأيت النضارة في وجهه، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول ... وذكر الحديث.
قلت: وقد ورد الأمر بالتبليغ منه لأمّته صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع لمّا خطبهم يوم النحر فقال: «فليبلغ الشاهد الغائب» . وفيه دليل على أنّه فرضٌ على الأمّة لكنّه على الكفاية، وقد يتعيّن في حقّ البعض والله أعلم.
من فوائد الحديث:
وقوله صلى الله عليه وسلم: «فوعاها وحفظها، ثمّ أدّاها إلى من لم يسمعها» مع قوله قبله: «نضّر الله عبدًا سمع مقالتي» ، فيه فوائد:
الأولى: أنّ للعلم مراتب ولا يحصل للطالب إلا بالتدرّج في سلوكها، فأوّله السماع ثمّ الوعي ثمّ الحفظ ثم الأداء.
الثانية: التنبيه على أنّ السماع أعلى مراتب التحمّل للحديث، فهو أعلى من المناولة والمكاتبة مثلًا.
الثالثة: الحثّ على حفظ حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم وضبطه ضبط صدْرٍ إن كان يروي مِن حِفْظه وضبط كتابته إن كان يروي من كتابه.
الرابعة: في رواية ابن مسعود عند أحمد «فبلغه كما سمعه» وهو دليل على أنّ رواية الحديث باللفظ مقدّمة على الرواية بالمعنى، وهذا متّفق عليه بين الأئمة، وإنّما الخلاف في جواز الرواية بالمعنى.
الخامسة: قوله «نضّر الله عبدًا» فيه دليل على مشروعية العمل بخبر الواحد، فإنّ «عبدًا» نكرة في سياق الإثبات، فهي تعمّ الواحد فما فوقه.
وقوله «فربّ حامل فقه غير فقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» ، فيه فوائد:
الأولى: أنّ الناس في العلم على مراتب: حافظ فقيه، حافظ غير فقيه، وفقيه غير حافظ، ورابعهم من كان خِلُوًا من الأمرين فهو صفر اليدين، نسأل الله السلامة والعافية.