عن أبي الخير أن جنادة بن أميّة حدّثه أن رجالًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعضهم: إن الهجرة قد انقطعت فاختلفوا في ذلك، قال: فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أناسا يقولون إن الهجرة قد انقطعت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد) [صحيح رواه أحمد] .
عن عبد الله بن عمر صلى الله عليه وسلم قال: وفدنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل أصحابي فقضى حاجتهم وكنت آخرهم، فقال: (حاجتك؟) ، فقلت: يا رسول الله، متى تنقطع الهجرة؟ قال: (لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار) [حديث صحيح رواه النسائي وأحمد] .
ورُوي عن أبي هريرة صلى الله عليه وسلم أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية فإذا استنفرتم فانفروا) .
قال ابن حجر:(لا هجرة بعد الفتح أي فتح مكة، قال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الإجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجا فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو.
قال الطيبى وغيره: أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية.
قال النووي: إن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة -من مكة إلى المدينة - يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة. . .) [فتح الباري 6/ 38،39] .
"في سبيل الله"كما فهمها سلفنا الصالح:
قال الشيخ أبو قتادة الفلسطيني:
(يجب أن نفسر القرآن والسنة بفهم السلف الصالح، أي هذه الأعراف نفسرها بأعراف أصحابها. مثلًا:
جعل الله عز وجل من مصارف الزكاة"في سبيل الله"هذه كلمة مطلقة تعني -لغةً- أي عمل يمارسه المرء يبتغي به وجه الله، فربما يطعم الرجل زوجته ويبتغي بها وجه الله فهو"في سبيل الله"وربما يأكل الرجل الطعام ويبتغي به التقوية على طاعة الله فهو"في سبيل الله"، إذا فسّرناها على هذا المعنى فإنه يجوز للمرء أن يبذل الزكاة لزوجته ويبتغي بها وجه الله فهو"في سبيل الله"، هذا تفسير لغوي مطلق يؤدي به إلى الكفر لأنه لا يجوز أن يصرف الزكاة على نفسه، وهذا يعطل دين الله.
إذًا: الواجب في طريقة التفسير هو أن نرجع اللفظ اللغوي فنقيده بما فهمه الأوائل، وأن نقيده بعرف إطلاق الأوائل فيه.
فما هو التقييد الذي قيّد فيه الشارع قول"في سبيل الله"؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"درهم تنفقه على نفسك ودرهم تنفقه على زوجتك، ودرهم تنفقه في سبيل الله خيرها من تنفقه على زوجتك"، من رواية هذا الحديث نفهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فرق بين ما أكله المرء، وما يطعمه لزوجه وما ينفقه في سبيل الله. إذا ما ينفقه على زوجته ليس هو في سبيل الله، بإطلاق الشارع. وإن كان بمفهومه اللغوي هو داخل في كلمة في سبيل الله.
فما هو عرف الأوائل عندما يقولون"في سبيل الله"؟ ما هو عرف الصحابة عندما يقولون"في سبيل الله"؟ ما هو تقييد الشارع في هذا اللفظ عندما نقول"في سبيل الله"؟
هو أنه في الجهاد في سبيل الله، وهذا هو القول الصائب في المسألة، فقد وسع النبي صلى الله عليه وسلم