الصفحة 14 من 53

القسم الثالث

ثبوت القنوت في الوتر من عدمه وذكر أحاديث القنوت في الوتر والإشارة اليسيرة إلى ما قيل فيها

توطئة:

قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد:"ولم يحفظ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قنت في الوتر إلا في حديث رواه ابن ماجة"وساق سنده وفيه:"كان يوتر فيقنت قبل الركوع".

ونقل ابن القيم عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال:"لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء"وعندما سأله محمد الكحال في قنوت الوتر قال:"ليس يروى فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء ...".

وقال الألباني رحمه الله، في كتابه (صفة الصلاة) :"وكان - صلى الله عليه وسلم - يقنت أحيانا، وإنما قلنا أحيانًا لأن الصحابة الذين رووا الوتر لم يذكروا القنوت فيه فلو كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يفعله دائمًا لنقلوه جميعًا عنه ...".

فأقول: والذي يطالع حديث عائشة رضى الله عنها، الذي في البخاري ومسلم وحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، في صلاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - واجتماع الناس إليه وصلاتهم معه ثم عدم خروجه إليهم خشية أن يفرض عليهم كما في البخاري ومسلم، يلحظ أن زيدًا رضي الله عنه لم يذكر لنا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قنت بالصحابة في الأيام التي صلى بهم وحديث سعد بن هشام في مسلم [1] في وصف عائشة - رضي الله عنه - لصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تذكر القنوت أيضًا، أو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قنت

(1) (1) البخاري، باب تحريض النبي - صلى الله عليه وسلم - على صلاة الليل، ومسلم، باب الترغيب في قيام رمضان، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام صلى في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الثالثة فلم يخرج إليهم فلما أصبح قال:"قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا خشية أن يفرض عليكم". وفي رواية البخاري رحمه الله، عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة قال حسبت أنه قال من حصير في رمضان فصلى فيها ليالي فصلى بصلاته ناس من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد = = فخرج إليهم فقال (قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)

تنبيه مهم

قال صاحب شرح معاني الآثار الجزء الأول: باب القيام في شهر رمضان هل هو في المنازل أفضل أم مع الإمام؟ حدثنا إبراهيم بن مرزوق , قال: ثنا عفان بن مسلم , قال: ثنا وهب , قال: ثنا داود , وهو ابن أبي هند , عن الوليد بن عبد الرحمن , عن جبير بن نفير الحضرمي عن أبي ذر , قال: {صمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان , ولم يقم بنا , حتى بقي سبع من الشهر. فلما كانت الليلة السابعة خرج فصلى ... بنا حتى مضى ثلث الليل , ثم لم يصل بنا السادسة , حتى خرج ليلة الخامسة , فصلى بنا حتى مضى شطر الليل فقلنا: يا رسول الله , لو نفلتنا؟ فقال: إن القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف , كتب لهم قيام تلك الليلة ثم لم يصل بنا الرابعة حتى إذا كانت ليلة الثالثة , خرج وخرج بأهله , فصلى بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قلت: وما الفلاح. قال: السحور} قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن القيام مع الإمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل , واحتجوا في ذلك بقول رسول الله: إنه {من قام مع الإمام حتى ينصرف , كتب له قنوت بقية ليلته} . وخالفهم في ذلك آخرون , فقالوا: بل صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإمام. وكان من الحجة لهم في ذلك أن ما احتجوا به من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قنوت بقية ليلته} قال: ولكنه قد روي عنه أيضا أنه قال - صلى الله عليه وسلم: {خير صلاة المرء في بيته , إلا المكتوبة} في حديث زيد بن ثابت. وذلك لما كان قام بهم ليلة في رمضان، فأرادوا أن يقوم بهم بعد ذلك , فقال لهم هذا القول فأعلمهم، أن صلاتهم في منازلهم، وحدانا أفضل من صلاتهم معه في مسجده , فصلاتهم تلك في منازلهم أحرى أن يكون أفضل من الصلاة مع غيره في غير مسجده. فتصحيح هذين الأثرين , يوجب أن حديث أبي ذر هو على أن يكتب له بالقيام مع الإمام , قنوت بقية ليلته. وحديث زيد بن ثابت , يوجب أن ما فعل في بيته هو أفضل من ذلك , حتى لا يتضاد هذان الأثران. حدثنا ابن مرزوق , وعلي بن عبد الرحمن , قالا: ثنا عفان , قال: ثنا وهيب قال: ثنا موسى بن عقبة , قال: سمعت أبا النضر يحدث عن بشر بن سعيد , عن زيد بن ثابت {أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجر حجرة في المسجد من حصير , فصلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليالي حتى اجتمع إليه ناس ثم فقدوا صوته , فظنوا أنه قد نام , فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم , فقال: ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم منذ الليلة , حتى خشيت أن يكتب عليكم قيام الليل , ولو كتب عليكم ما قمتم به , فصلوا - أيها الناس - في بيوتكم , فإن أفضل صلاة المرء في بيته , إلا المكتوبة} . حدثنا ابن أبي داود , قال: ثنا الوحاظي , قال: ثنا سليمان بن بلال , قال: حدثني بردان إبراهيم بن أبي فلان , وهو ابن أبي النضر , عن أبيه , عن بشر بن سعيد , عن زيد بن ثابت أن النبي قال: {صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة} . حدثنا ربيع الجيزي , قال: ثنا أسد وأبو الأسود , قالا: أنا ابن لهيعة , عن أبي النضر , عن بشر بن سعيد , عن زيد بن ثابت , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إن أفضل صلاة المرء صلاته في بيته إلا المكتوبة} . وقد روي عن غير زيد بن ثابت في ذلك , عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ما قد ذكرناه في باب التطوع في المساجد. فثبت بتصحيح معاني هذه الآثار , ما ذكرناه. وقد روي في ذلك عمن بعد النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق ما صححناها عليه. فمن ذلك ما حدثنا فهد , قال: ثنا أبو نعيم , قال: ثنا = = سفيان , عن عبيد الله , عن نافع , عن ابن عمر رضي الله عنهما , أنه كان لا يصلي خلف الإمام في رمضان. حدثنا أبو بكرة , قال: ثنا مؤمل , قال: ثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , قال: قال رجل لابن عمر رضي الله عنهما: أصلي خلف الإمام في رمضان؟ فقال: أتقرأ القرآن. قال: نعم , قال: صل في بيتك. حدثنا فهد قال: ثنا أبو نعيم , قال: ثنا سفيان , عن أبي حمزة , ومغيرة , عن إبراهيم , قال: لو لم يكن معي إلا سورتان لرددتهما , أحب إلي من أن أقوم خلف الإمام في رمضان. حدثنا روح بن الفرج , قال: ثنا يوسف بن عدي , قال: ثنا أبو الأحوص , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال: كان المتهجدون يصلون في ناحية المسجد والإمام يصلي بالناس في رمضان. حدثنا أبو بكرة , قال: ثنا روح بن عبادة , قال ثنا شعبة , عن المغيرة , عن إبراهيم , قال: كانوا يصلون في رمضان , فيؤمهم الرجل , وبعض القوم يصلي في المسجد وحده. قال شعبة: سألت إسحاق بن سويد عن هذا , فقال: كان الإمام هاهنا يؤمنا , وكان لنا صف يقال له: صف القراء فنصلي وحدانا والإمام يصلي بالناس. حدثنا أبو بكرة , قال: ثنا مؤمل , قال. ثنا سفيان , عن أبي حمزة , عن إبراهيم , قال: لو لم يكن معي إلا سورة واحدة , لكنت أن أرددها , أحب إلي من أن أقوم خلف الإمام في رمضان. حدثنا يونس وفهد , قالا: ثنا عبد الله بن يوسف , قال: ثنا ابن لهيعة , عن أبي الأسود , عن عروة أنه كان يصلي مع الناس في رمضان , ثم ينصرف إلى منزله , فلا يقوم مع الناس. حدثنا أبو بكرة , قال: ثنا أبو داود , قال: ثنا أبو عوانة , قال: لا أعلمه إلا عن أبي بشر , أن سعيد بن جبير , كان يصلي في رمضان في المسجد وحده , والإمام يصلي بهم فيه. حدثنا يونس , قال: ثنا أنس , عن عبيد الله بن عمر , قال: رأيت القاسم , وسالما , ونافعا ينصرفون من المسجد في رمضان , ولا يقومون مع الناس. حدثنا ابن مرزوق , قال: ثنا أبو داود , قال: ثنا شعبة , عن الأشعث بن سليم , قال: أتيت مكة , وذلك في رمضان , في زمن ابن الزبير فكان الإمام يصلي بالناس في المسجد , وقوم يصلون على حدة في المسجد. بهؤلاء الذين روينا عنهم ما روينا من هذه الآثار , كلهم يفضل صلاته وحده في شهر رمضان , على صلاته مع الإمام , وذلك هو الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت