الصفحة 48 من 53

وما أجمل ما سطره ابن القيم في إعلام الموقعين في الرد على حجج القائلين بالتقليد إذ يقول في بض المواطن من الكتاب المذكور ما نصه:

(ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم، وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا، وكل إلى ربهم راجعون، جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون، ورءوس أموالهم التي بها يتجرون، وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب، ولسان الحق يتلوا عليهم ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب قال الشافعي - قدس الله تعالى روحه - أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس، قال أبو عمر وغيره من العلماء: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله، وهذا كما قال أبو عمر - رحمه الله تعالى - فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد، فقد تضمن هذان الإجماعان، إخراج المتعصب بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء، وسقوطهما باستكمال من فوقهما الفروض من وراثة الأنبياء فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر، وكيف يكون من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم من يجهد ويكدح في رد ما جاء به إلى قول مقلده ومتبوعه، ويضيع ساعات عمره في التعصب والهوى، ولا يشعر بتضييعه، تالله، إنها فتنة عمت فأعمت ورمت القلوب فأصمت ربا عليها الصغير، وهرم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجورا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورا، ولما عمت بها البلية وعظمت بسبها الرزية بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها، ولا يعدون العلم إلا إياها، فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت