الصفحة 21 من 43

«مَفهُوم العبَادة»

استعرض المؤلف في هذا الفصل مفهوم العبادة بمعناه الصحيح، الشامل لكل نواحي الحياة، وهو المعنى الذي فهمه الجيل الأول -رضوان الله عليهم- ومارسه في شتى المجالات.

وأكد على أن هذا المفهوم ليس محصورًا في الشعائر التعبدية، وإنما هي -على أهميتها- جزء من هذا المفهوم الواسع الشامل. [1]

وبيَّن في بداية حديثه أنَّ الانحراف في تصور هذا المفهوم كان «من أخطر الانحرافات التي وقعت فيها الأجيال المتأخرة من المسلمين بعد انحرافهم في فهم لا إله إلا الله» .

وتحدث مقارنًا بين المفهوم الصحيح للعبادة والذي عرفه بأنه «المفهوم الشامل الواسع العميق الذي كانت الأجيال الأولى من المسلمين تفهمه من أمر العبادة» وبين «المفهوم الهزيل الضئيل الذي تفهمه الأجيال المعاصرة» .

وذكر أن «المفهوم الصحيح للعبادة» كان «في حس الأجيال الأولى أن عبادة الله هي غاية الوجود الإنساني كله، كما فهموا من قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ...

وكانوا إلى جانب ذلك يحسُّون إحساسًا صادقًا بعظمة الله -جلَّ جلاله- فيحسُّون تبعًا لذلك بما ينبغي للعبد -في مقام عبوديته- تجاه الله -في مقام ألوهيته- من إخلاص العبودية له، وإخلاص العبادة .. سواء. ومن ثم لم ينحصر مفهوم العبادة في حسِّهم في نطاق الشعائر التعبدية وحدها، كما انحصر في حسّ الأجيال المتأخرة التي جاءت بفهم للإسلام غريب عن الإسلام».

وعن طبيعة هذه العبادة الشاملة التي فهمها الصحابة -رضوان الله عليهم- من قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ} ، قال: «تلك هي العبادة التي كلَّف بها الإنسان، تشمل الصلاة والنسك -أي الشعائر التعبدية- وتشمل معها كل الحياة» .

وأكَّد على أنه «بهذا النهج وحده، أي بأداء تلك العبادة الشاملة المتكاملة، التي تشمل الحياة والموت، تتحقق غاية الوجود الإنساني، ويكون الإنسان قد قام -قدر جهده- بالعبادة المطلوبة تجاه الله» .

(1) ولعل تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية للعبادة يعبر عن مقصود المؤلف، حيث قال: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت