ذكر المؤلف في بداية هذا الفصل أن «الإيمان بالقضاء والقدر جزء رئيسي من عقيدة المسلم، كما بيَّنها حديث جبريل عليه السلام:"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره" [1] وهو من مميزات هذه الأمة في تاريخها الطويل» .
وبيَّن أن هذا المفهوم أصابه ما أصاب غيره من انحراف، فقد «كان في حسِّ الأجيال الأولى من هذه الأمة قوة دافعة بنَّاءة محركة، بقدر ما صار في حسِّ الأجيال المتأخرة منها قوة سلبيَّة هدَّامة مخذِّلة» .
وبيَّن حقيقة الفارق بين جيل اليوم والجيل الأول فقال: «الفارق الضخم في حقيقة هذه العقيدة بين الأجيال الأولى والأجيال المتأخرة، هو الفارق بين التوكل على الله كما مارسته الأجيال الأولى، والتواكل الذي حدث في عصر الانحسار، ثم عصر الانحدار» .
وأكّد المؤلف -حفظه الله- على عدة حقائق تظهر هذا الفارق الضخم الذي ذكره فقال: «كان المسلم الأول يؤمن بأن كل ما يحدث له أو يحدث في الكون هو بقضاء الله وقدره، وأنَّ شيئًا لن يغيِّر ما قدَّره الله منذ الأزل في اللوح المحفوظ. ثم كانت نتيجة إيمانه بذلك أن يقول لنفسه، أَئِذا ذهبت إلى ميدان القتال أُقْتَلُ بسبب ذهابي إلى هناك؟ أم إنَّه يجري عليَّ ما قدَّره الله لي، فإن كان كتب لي الشهادة هناك فسأقتل -بقضاء من الله وقدر- وإن كان كتب لي العودة فسأعود؟ ثم إنني إن كان الله قد كتب عليَّ الموت فسأموت ولو كنت في مكاني هذا ولم أذهب إلى القتال، إذن فما الذي يقعدني عن القتال؟ خوف الموت وهو مقدَّر على أي حال؟ أم خوف الأذى ولن ينالني منه إلا ما قدَّره الله في كل حال؟ كلا فلنذهب إلى أداء فريضة ربنا، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون. ثم يذهب إلى القتال بنفسٍ شجاعةٍ فيستبسل، فيُمضي الله به قدره في الأرض، وينصر به هذا الدين ويمكِّن له، ثم يكون من أمره ما قدَّره الله له، إما الشهادة وإما النصر» .
ثم أردف قائلًا: «كذلك كان المسلم الأول يفعل وهو يكشف مجاهيل الأرض لنشر الدعوة، ولطلب العلم، وللسعي وراء الرزق، ويمشي في مناكب الأرض ويتعرض للأخطار والمشقات. كانت القاعدة في حسِّه أن أقدم وتوكل على الله» .
ثم تساءل: «كيف تحول هذا الإقدام إلى تقاعس وقعود في انتظار ما قدَّره الله؟!» .
وأزاح الستار عن حقيقة ثانية بقوله: «كان في حسِّ المسلم الأول أنَّ إيمانه بالقضاء والقدر لا ينفي مسؤوليته عن عمله حين يرتكب خطأً يعرِّضه للجزاء» .
(1) أخرجه الشيخان.