وضرب مثالًا لذلك بما حدث في وقعة أُحُد من مخالفة الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت «الهزيمة والاضطراب العنيف في صفوف الجيش، وإصابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أشاع الكفار من قتله عليه الصلاة والسلام، وأثر ذلك في تفريق وحدة الجيش» .
ثم قال: «ونزل القرآن بعتابٍ شديدٍ للمؤمنين على ما فعلوا، ونزل كذلك بالشرح والبيان، وكان من هذا الشرح تلك الآيات:
{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} .
إنه من عند أنفسكم، وفي ذات الوقت هو بإذن الله.
المسؤولية عن الخطأ قائمة، والإيمان بأنه من قضاء الله وقدره قائم، لا يتعارضان.
ولقد كان هذا من أعظم ما تعلمته هذه الأمة ومن أعظم ما تميَّزت به: إزالة التعارض بين إيمان الإنسان بمسئوليته عن عمله، وإيمانه بقضاء الله وقدره، وإقرار الأمرين معًا في القلب البشري ليتوازن بينهما، ويتوازن بهما في مسيرته في هذه الأرض، فلا يزايله الإحساس الدائم بقدر الله والتطلع إليه في الكبيرة والصغيرة، ولا يزايله كذلك مراقبته لأعمال نفسه ووزنها بميزان الخطأ والصواب».
ثم تساءل المؤلف: «كيف تحوَّل هذا التوازن البديع إلى تنصُّل من كل مسؤولية بدعوى الإيمان بقضاء الله وقدره؟» .
والحقيقة الثالثة التي أبرزها المؤلف أنه «كان في حسِّ الأمة الأولى أن إيمانها بالقضاء والقدر لا يتعارض مع اتخاذ الأسباب» .
قال: «ومع أن لله -سبحانه وتعالى- سنة خارقة تملك أن تصنع كل شيء، ولا يعجزها ولا يقيِّدها شيء، لأن مشيئة الله طليقة من كل قيد، إلا أن الله جلَّت قدرته قد قضى بأن تكون سنته الجارية ثابتة في الحياة الدنيا، وأن تكون سنته الخارقة استثناء لها، وكلتاهما معلَّقة بمشيئة الله. لذلك كان في حسِّهم أنه لا بدَّ لهم من مجاراة السنن الجارية إذا رغبوا في الوصول إلى نتيجة معينة في واقع حياتهم، أي أنه لا بدَّ من اتخاذ الأسباب المؤدية إلى النتائج بحسب تلك السنن الجارية» .
لكنَّه أكَّد مع ذلك على أنَّ «هذه الأمة لم تُترك لتفتن بالأسباب، تظنها مؤدية -بذاتها- إلى النتائج بمعزل عن قدر الله كما تصنع الجاهلية المعاصرة، فقد كان درس حُنَين لتثبيت هذا المعنى في نفوس المؤمنين وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ