مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ.
وكان هذا كذلك من أبدع ما تعلَّمته هذه الأمة وتربَّتْ عليه، لتتوازن في مسيرتها الأرضية بين التواكل بغير اتخاذ الأسباب، وبين الاتكال على الأسباب».
ثم تساءل: «كيف تحوَّل هذا التوازن الرائع إلى سلبية كاملة، وقعود عن اتخاذ الأسباب بدعوى الاتكال على الله؟» .
ومما أبرزه المؤلف من حقائق أنه «لم يكن في حسِّ الأمة الأولى تعارض بين التسليم لقدر الله، والعمل على تغيير الواقع السيئ حين يكون» .
قال: «إن كل شيء في هذا الوجود وفي حياة البشر واقع بقضاء الله وقدره، لا جدال في ذلك ولا شكَّ فيه في نفوس المؤمنين.
وحين يوجد واقع سيئ في حياة الناس فهو واقع بقضاء الله وقدره، سواء بسبب من عند الناس ... أو لأمر لا مسؤولية لهم فيه ... أو ابتلاء من عند الله للمؤمنين ليمحِّصهم».
ثم بيَّن بقوله: «هذا وغيره مما يصيب الناس في الأرض يحدث كله بقضاء الله وقدره. ولكن الله لم يأمر الناس أن يستسلموا لقدر الله، بمعنى عدم العمل على تغيير الواقع السيئ الذي هم فيه. إنما أمرهم بالتسليم (أو الاستسلام) لقدر الله، بمعنى الرضى بما وقع بالفعل على أنه قدر محتوم لم يكن يمكن تلافيه، أما القعود عنده وعدم تغييره أو محاولة تغييره، فأمر آخر لم يأمر الله به ولا حثَّ عليه، ولا علاقة له بالرضى بما وقع على أنه قدر محتوم من عند الله» .
ثم تساءل: «كيف تحوّل هذا التوازن إلى قعود عن التغيير بدعوى الاستسلام لقدر الله؟» .
وأوضح المؤلف أن هناك نوعان من الانحراف في هذا المفهوم: النوع الأول هو: «السلبية، ونسيان الأسباب جملة، والزهد في العمل والإنتاج» والذي تمثله الهندوكية والرهبانية.
والنوع الثاني من الانحراف والذي تمثله الجاهلية المعاصرة هو: «شعور الإنسان المضخم بذاتيته، وفتنته بالأسباب، وفتنته بعمله، وتوهُّمه أنَّه يصنع قدره بنفسه» .
ثم قال: «بين هذين الطرفين المتناقضين تجيء عقيدة القضاء والقدر في صورتها الصحيحة في الإسلام، تقرر هيمنة الله الشاملة على كل ما يجري في الكون وفي حياة الإنسان، ولا تلغي في الوقت ذاته فاعلية الإنسان، ولا تلغي العمل، ولا تلغي اتخاذ الأسباب.