ذكر الكاتب في بداية هذا الفصل أن الانحراف في مفهوم الحضارة وعمارة الأرض وقع حين وقعت الأمة في الانحرافات التي ذكرها سابقًا: «تفريغ لا إله إلا الله من مقتضاها الحقيقي، وتحوّلها إلى كلمة تقال باللسان، بغير دلالة ولا رصيد واقعي، وحصر مفهوم العبادة في شعائر التعبد، وتحوّل عقيدة القضاء والقدر إلى سلبية وقعود عن الأخذ بالأسباب، وتخل عن دور الإنسان الإيجابي في الأرض، ووضع الدنيا والآخرة موضع التقابل والتخيير، ثم اختيار الآخرة وإهمال الدنيا» .
وأوضح أن الفهم الصحيح لهذا المفهوم هو الذي فهمته «الأجيال الأولى من المسلمين للحضارة» والذي كان «مستمدًّا من روح الإسلام، ومتفرّدًا ككل شيء في هذا الدين» .
وذكر في حديثه أن هناك جاهليات «معاصرة لمولد الإسلام وسابقة له ولاحقة قد ركزت على المعنى الروحي للحضارة، وأهملت الحياة الدنيا، وأهملت العمارة المادية للأرض، بوصفها أمورًا ألصق بالحسِّ، وأقرب إلى متاع الجسد، والجسد ملعون ومحتقر ومستقذر» . وهناك جاهليات أخرى «قد ركزت على الجانب المادي للحضارة، وأهملت الآخرة، وأهملت عالم الروح، بوصفهما أمورًا شخصية لا علاقة لها بالواقع العملي، بل بوصفهما -في كثير من الأحيان- معوقات لانطلاق الحضارة، وأكبّت على عالم الحسّ وعالم المادة، تبدع فيهما كل عبقريتها، وتصب فيهما كل طاقتها، بصرف النظر عن القيم والمثل والمبادئ» .
وبين أن «الإسلام -المنزَّل من عند الله اللطيف الخبير، خالق الإنسان والعليم بأحواله وحاجاته، وما يصلحه وما يصلح له- هو المنهج الشامل الكامل، الذي لا يهمل جانبًا من جوانب الإنسان، ولا يلبي جانبا منه على حساب جانب آخر» .
وعن طبيعة المفهوم الإسلامي للحضارة قال: «إن المفهوم الإسلامي للحضارة هو مفهوم العبادة.
هو تحقيق غاية الوجود الإنساني التي حددها قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ».
وأوضح أن «تحقيق الجانب الروحي للإنسان وحده، على حساب الجانب الحسِّي والمادي، وفي عزلة عنه، لا يحقق غاية الوجود الإنساني كاملة كما بينها المنهج الرباني. وإن تحقيق الجانب الحسِّي والمادي من الإنسان والحياة البشرية على حساب الجانب الروحي وفي عزلة عنه، لا يحقق كذلك غاية الوجود الإنساني، بل يتجه به إلى الدمار والبوار. ومن ثم فكلاهما لا يشكل حضارة بالمفهوم الصحيح للحضارة، أو إنه يشكل"حضارة جاهلية"إن صحَّ هذا التعبير» .
وقال: «إنما الحضارة الصحيحة هي التحقيق السوي لغاية الوجود الإنساني في الأرض، التي حددها قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} وفسّرها قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي