تناول المؤلف هذا المفهوم -كما فعل في غيره من المفاهيم- بردِّه إلى ما كان عليه الجيل الأول من المسلمين لأنه -كما قرر سابقًا- «الصورة التطبيقية الصحيحة للكتاب والسنة» وهما كما قرر أيضًا «مرجعنا في تحديد المفاهيم الإسلامية» .
وذكر أنه لم يكن في حسِّ هؤلاء «ذلك الفاصل الحاد بين الدنيا والآخرة الذي أحسَّته الأجيال المتأخرة» وأنه «لم يكن في حسِّهم أن هناك أعمالًا معينة هي للدنيا وحدها منقطعة عن الآخرة، وأعمالًا أخرى هي للآخرة وحدها منقطعة عن الدنيا» .
وبعد أن أقر أن الأعمال تتفاوت في طبيعتها فبعضها «يغلب عليها الطابع الروحي، كالصلاة والدعاء والذكر، والشعائر التعبدية عامة» وبعضها «يغلب عليها الطابع الفكري، كطلب العلم» وبعضها «يغلب عليها الطابع الحسِّيّ، كالطعام والشراب» لكنه أكد على أن «ذلك لا يفصل بين بعضها وبعض من جهة، لأنها صادرة عن الكيان الإنساني الموحد المترابط، ومن جهة أخرى لا يجعل بعضها للآخرة خالصة من دون الدنيا، وبعضها للدنيا خالصة من دون الآخرة» .
واستطرد قائلًا: «كان المفهوم الصحيح للعبادة هو الذي يحكم حياتهم، ويحكم تصورهم: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ} {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} .
وفي هذا المفهوم لا يمكن أن تنفصل الشعائر التعبدية عن العمل، ولا الدنيا عن الآخرة، لذلك كانت الحياة في حسِّهم حلقة متصلة لا انفصام فيها بين جزء وجزء، الصلاة فيها والنسك، والطعام والشراب والجنس، والقتال في سبيل الله، والسعي وراء الرزق، وطلب العلم، وعمارة الأرض، كلها عبادة، وكلها للدنيا والآخرة في آن، وكل لحظة واعية تمر بالإنسان في نهاره أو ليله، وكل عمل يقوم به -متوجِّهًا فيه إلى الله، وملتزمًا فيه بما أنزل الله- فهو لون من ألوان العبادة، متصل بعضها ببعض، وهو على الدوام يتنقل من عبادة إلى عبادة، تحقيقًا لغاية الوجود الإنساني، التي تشمل وجوده كله، وتوجهه إلى الله».
وبعد أن قرر أن الدنيا قد ذمت «في القرآن ولعنت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
أوضح أن ذلك جاء «في مجالين اثنين: حين تكون الدنيا -أي حبّها والتعلّق بها- حاجزًا بين الناس وبين الإيمان بالله واليوم الآخر، أو حاجزًا بينهم وبين الجهاد في سبيل الله» .
وأورد الأدلة على ذلك كقوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ} .
{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .
وذكر غير ذلك من الآيات، ثم أردف -حفظه الله- قائلًا: «والمتحدث عنهم في تلك الآيات جميعًا هم إما من الكفار الخلّص، وإما من المنافقين، الذين يتظاهرون بالإسلام نفاقًا ورياء ولكنهم في دخيلة أنفسهم غير مؤمنين، وهم في الدرك الأسفل من النار، وهم في حكم الله كافرون» .
ثم تساءل: «ولكن ما حقيقة الموقف في هذين المجالين؟» .
فأجاب: «حقيقة الموقف أن الدنيا هنا منفصلة في حسِّ صاحبها عن الآخرة، إما لأنه لا يؤمن بها أصلًا، وإما لأن اعتقاده بها ضعيف مبهم متداخل، لا يكوِّن في حسِّه صورة واضحة، ولا يؤثر -من ثَمَّ- في فكره ولا مشاعره ولا سلوكه الواقعي. والقضية في حسّه على هذا النحو: جنة يوعد بها -على غير إيمان منه، أو إيمان يستوي وجوده وعدمه- ذات تكاليف في النفس والمال، وقعها في حسِّه أنها حرمان من المتاع، لأنه لا يريد أن يكتفي بالقدر الذي أباحه الله، إنما يريد أن يسترسل مع شهواته، ولا يستخدم جهاز"الضبط"الذي وهبه الله إياه ليتحكم في هذه الشهوات. وفي مقابل ذلك متاع قائم بالفعل، هو مسترسل فيه إلى أقصى المدى، ويقال له إن استمتاعه به على النحو الذي يزاوله سيحرمه من الجنة.
وحين صارت القضية على هذا النحو، وصار الخيار بين الجنة الموعودة مع الحرمان من المتاع الزائد عن الحد، وبين المتاع الطاغي مع الحرمان من الجنة في الآخرة الموعودة، فقد آثر الحياة الدنيا».
ثم تابع قائلًا: «وقد آثر أن يستمتع بما بين يديه من المتاع الزائد عن الحد، لأن الحرمان منه أشد لذعًا في حسّه من العذاب الذي توعده الله به، إما لأنه لا يؤمن بالآخرة أصلًا، فالعذاب المتوعد به في حسّه وهمٌ لا حقيقة له، وإما لأنه ضعيف الإيمان بالآخرة، ومن ثم فإن ذلك العذاب، المنبهم في خياله، أخف وزنًا في حسِّه من العذاب القريب الذي يحدثه حرمانه من المتاع.
وفي الحالين هي حالة غير سوية، تختل الموازين فيها في حسّ صاحبها، لأنه لا يؤمن إلا بما تدركه حواسِّه، ويغفل عن الدلالة المعنوية لما تدركه حواسّه:
{لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} ».
ثم قال: «أما في حسِّ الإنسان السوي فالقضية مختلفة تمامًا.
إن الإنسان السوي -بادئ ذي بدء- لا يغلق روحه دون عالم الغيب، ولا يحصر نفسه في محيط ما تدركه حواسه فحسب، فقد زوده خالقه سبحانه -لكي يعينه على القيام بمهمة الخلافة التي خلقه من