الصفحة 34 من 43

أجلها- بقدرتين متقابلتين، يؤدي بكل منهما جانبًا من مهمة الخلافة، ويتوازن بهما معًا فلا يفقد توازنه من هنا ولا من هناك. إحداهما هي الإيمان بما تدركه الحواس والثانية هي الإيمان بالغيب. وبالقدرة الأولى يتعامل مع واقع الحس القريب، ومع الكون المادي من حوله، فيتعرف على خواص المادة، ويستثمر علمه في تحقيق ما سخر الله له من طاقات السماوات والأرض من أجل تحسين أحواله على الأرض. وبالقدرة الثانية يتعامل مع الحقائق التي لا يدركها حسّه -وإن كان يدرك آثار وجودها- والتي هي مفطور على الإيمان بها، والتعامل معها، والارتباط بها، كحقيقة الألوهية، وحقيقة النبوة والوحي الإلهي، وحقيقة البعث والجزاء، ليقوم بالجانب الآخر -الأهم في الحقيقة- وهو إقامة العمارة المادية للأرض على مقتضى المنهج الرباني».

وأوضح المؤلف أن هذا الإنسان السوي قد أباح الله له قدرًا من المتاع وأن «هذا القدر الذي حدده الله بعلمه وحكمته، يعلم سبحانه أنه هو القدر المناسب للكيان البشري، الذي يعينه على القيام بدور الخلافة في الأرض دون أن يدمِّر هذا الكيان أو يعطبه. وفي الوقت ذاته يتمثَّل فيه الابتلاء الذي خلق الإنسان له، فقد خلق الله الكيان البشري محببة إليه الشهوات ... وفي الوقت ذاته حدد الله الحدود:

{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} ... ولكن نقطة الابتلاء هي تزيين الشهوات له بحيث يرغب في الاستزادة منها، وتقييده -في الوقت ذاته- بهذا القدر المباح له، وعدم السماح له بتجاوزه ولو هفت نفسه إلى المزيد».

وذكر أن الله «وهب له أداة عظيمة النفع، عظيمة التأثير، يستطيع بها أن يضبط منطلق شهواته ... تلك الأداة العظيمة هي"القلب"أو"العقل"أو"الفؤاد"» .

ثم ذكر المؤلف أن «هذا التوازن الجميل الذي أنشأه الإسلام في النفس البشرية، وحققته الأجيال الأولى من المسلمين ذلك التحقيق الرائع ... بدأ يختل بعد تلك الأجيال الأولى، وإن كان الخلل في هذه المرة قد وقع في الاتجاه المقابل تمامًا لما كان عليه في الجاهلية العربية» .

قال: «كان الخلل في الجاهلية العربية هو انفصال الدنيا في حسّ الناس عن الآخرة، لعدم إيمانهم بالآخرة والبعث والجزاء، ومن ثم إيثار الحياة الدنيا، وهو الآن انفصال الدنيا في حسِّ الناس عن الآخرة لاستصغارهم شأن الحياة الدنيا واحتقارها، ومن ثم إيثار الآخرة» .

وأوضح أن هذه الصورة هي «التي قدمتها الصوفية، التي انتشرت قرونًا طويلة على امتداد الأرض الإسلامية، وما تزال آثارها قابعة هنا وهناك» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت