ثم شرع المؤلف في مناقشة ما اتكأت عليه الصوفية من الآيات التي وردت في ذم الدنيا، والأحاديث التي وردت في لعنها، ومناقشة ما استدلوا به من «حال الزهاد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين هجروا متاع الحياة الدنيا ولم يتعلَّقوا بشيء منه» .
وذكر الفرق الهائل -الذي قد يصل إلى طرفي نقيض- بين الصوفية وبين «زهاد الجيل الأول، وعلى رأسهم سيد الزهاد صلى الله عليه وسلم» .
وقال إنهم يفترقان في «مفهوم العبادة، ومن ثم يفترقان في منهج الحياة، وفي منهج السلوك» .
وذكر أن كلاهما -الزهاد والصوفية- يمتنعان عن بعض الشهوات والتي ينتج عنه «طاقة نفسية هائلة، رفيعة المستوى، قابلة للتوجه إلى آفاق لا يصل إليها قط صاحب النفس المنساقة مع الشهوات» .
ولكنه أوضح أن هذه الآفاق تختلف:
«فأما زهاد الجيل الأول، وعلى رأسهم سيد الزهاد صلى الله عليه وسلم فقد علمنا طبيعة الآفاق التي رفعهم إليها زهدهم في متاع الأرض: الجهاد في سبيل الله، الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، الجهاد ليكون الدين كله لله، الجهاد لإقامة العدل الرباني في واقع الأرض، الجهاد لإقامة المجتمع المثالي الذي يحقق في عالم الواقع ما يتخيله الناس في عالم المثال، الإيجابية الهائلة التي تغير الواقع المنحرف، وتنشئ بدلًا منه الواقع السوي، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اللذان هما رسالة الأمة التي أخرجها الله لتكون خير أمة» .
وقال: «هذا والزهاد -وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم- لا يحرِّمون المتاع، إنما يرتفعون فوقه، فلا يعود يشغلهم عن الجهاد في تلك الآفاق العالية التي يجاهدون فيها، ولا عن الأهداف العالية التي يعملون بطاقتهم الإيجابية كلها لتحقيقها في عالم الواقع» .
ثم قال: «أما الصوفية فماذا صنعوا بتلك الطاقة الهائلة التي وفرها في نفوسهم ترفعهم عن المتاع؟
لقد صرفوها إلى نوع آخر من الجهاد، جهاد الشيطان في داخل النفوس، وأوَّلوا في سبيل ذلك كل آيات الجهاد الواردة في كتاب الله، حتى تلك التي تشمل ألفاظًا صريحة تنصّ على قتال الكفار والمنافقين والغلظة عليهم».
وقرر المؤلف أن جهاد الشيطان مأمور به وأن هذا الجيل الفريد «قد جاهد الشيطان وظفر في جهاده له بأكبر نصر عرفه التاريخ ... ولكنهم ما جعلوا معركتهم مع الشيطان هي نهاية المطاف ... إنما كانت معركتهم مع الشيطان وظفرهم عليه هي نقطة الانطلاق التي ينطلقون منها إلى البناء، إلى الجهاد، إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى إقامة العدل الرباني في الأرض، إلى دكِّ حصون الشرك وإقامة حصون