الصفحة 16 من 26

حكى القرطبي في تاريخه، قال: أُسِرَ رجلٌ في زمن معاوية رضي الله عنه وأُدْخل القسطنطينية، فتكلم بين يدي ملكهم بكلام، فلطمه أحد البطارقة، فقال الأسير - وكان قرشيًا: بيننا وبينك الله يا معاوية، وَلِيتَ أمورَنا فضيعتَها، فبلغ معاويةَ كلامُه فسيّر إليه وافتداه، فلما أتاه سأله عن اسم البطريق، فأخبره، فأفكر طويلًا ثم أنفذ خلفَ قائدٍ من قوادِ (صور) ذي خبرة ومعرفة، وقال: أريد منك أن تتحيّل في إحضار فلان البطريق من القسطنطينية، فقال: أريد أن أنشىء مركبًا بمجاديفَ مَخْفِيةٍ يَلْحق ولا يُلْحق بها، فقال له: افعل ما بدا لك ومكّنه من كل ما يحتاج إليه، فلما كملت أوسقها من كل طرفة وتحفة وأعطاه أموالًا جزيلة، وقال: اذهب إلى القسطنطينية فكأنك تاجر فِبِعْ واشترْ وأَهْدِ لوزير الملك وبطارقته وخاصته خلا ذلك البطريق فلا تقربه ولا تهاده، فإذا أعتبك على ذلك فقل له: ما عرفتك ولكن سأضاعف لك في عودتي فإنه لم يبق معي ما يصلح لمثلك.

ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية وأخبره بما صنع، فجهزه ثانيًا وأعطاه أضعاف ذلك وقال: هذا ـ أيضًا ـ للملك ولسائر خواصه ولذلك البطريق، فإذا عزمت على الحضور إلينا فقل لذلك البطريق: إني أحب أن أصادقك ويكون بيني وبينك معرفة، فسلني حاجة أحضرها لك على حسب ما تقترحه، ويكون عوضًا عما قصّرت في حقك، فقال: أريد بساطًا من حرير يحوي جميع الألوان وصور سائر الأشجار والأزهار، طوله كذا وعرضه كذا.

فلما رجع وأخبر معاوية جمع له سائرَ الصنّاع، فكمل في أبدع صورةٍ يدهش الناظرين، وجهّز معه كل ما يحتاج إليه وقال له: إذا وصلت إلى فم البحر فانشر البساط على ظهر المركب فسيحمله الشَّرَهُ على أن ينزل إليك، فإذا صار عندك فاشغلْه بالحديث واعرضْ عليه البساط وقدّم له غيرَ ذلك من التحف، ومُرْ أصحابَ المركب أن يقذفوا بالمجاديف المخفية فإذا صرت في البحر فارفع الشراع وأوثقه ومن معه كتافًا وائْتني بهم.

وكان للعلج ستارة على فم البحر فلما بلغه وصول المركب أشرف لينظر إليها، فلما رأى البساط كاد عقله يذهب، فخرج مسرعًا للقائه فنزل إليه مسلّمًا، فعرضه عليه مع غيره، وأصحابه يقذفون ولا علم له فما شعر إلا برفع الشراع ـ يعني القلع ـ فقال: ما هذا؟ فقبض عليه وأوثقه بالحديد وسائر أصحابه وأتى به إلى معاوية فأحضر القرشي وقال: هذا خصمك؟ قال: نعم، قال: قم فالطمه كما لطمك ولا تزد، ففعل ذلك، ثم قال لصاحب المركب خذه واذهب به إلى الموضع الذي أخذته منه، وأعطاه ذلك البساط وغيره.

وقال له: قل لملكك تركتُ مَلِكَ المسلمين يقتصّ ممّن هو على بساطك ومن خواصك وبطارقتك، فلما أوصلوه إلى القسطنطينية وجدوهم قد اتخذوا على فم البحر سلسلة، فرموه هناك وأعطوه البساط، فهاب ملك الروم معاوية رضي الله عنه وعظمّه وهاداه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت