الصفحة 18 من 40

لكن المصيبة اليوم؛ ان المسلمين لا يكادون يجدون العالم المحقق في نصوص الكتاب والسنة، الذى يفقههم في الوحى المنزل - إلا قليلا - وإنما ابتلوا بأقوام إذا أراد أحدهم ان يقرر مسألة ما، قال؛"نص عليه الفقهاء"، وياليت ان هذا إجماع ثابت!

وإن من الانصاف ان نذكر؛ انه قد ذهب بعض أهل العلم إلى انه لا بأس بالتقليد للعامى، ويستدلون بقول الله عز وجل: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ، قالوا؛ قسم الله الناس إلى اهل ذكر والى قسم لا يعلم، وامر من لا يعلم بسؤال من يعلم.

قلت: قد ذكر ابن القيم هذا الاحتجاج في"اعلام الموقعين"ضمن حجج المقلدين، في المناظرة التي عقدها بين مقلد وصاحب حجة، والذى يظهر لى ان الآية لا تدل على ذلك من وجهين:

الوجه الاول: ان سياق الآية - كما في سورة النحل - {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} ، فأمر بسؤالهم بالبينات والزبر، والبينات؛ هى الحجج الواضحات من قول الله وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبر؛ هى الكتب، وإن قوله بالبينات، فالمسؤول عنه هنا هو المجهول، وهو الذى لا تعلمونه، وهو البينات، فيكون المعنى؛ إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر فسألوا أهل الذكر؛ أي عنها.

الوجه الثانى: ان الله عز وجل أمر بالسؤال عند عدم العلم، فقال: {إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ، والتقليد ليس بعلم، ومعرفة الفتوى بلا دليل؛ ليس بعلم يحرم كتمانه.

قال ابن عبد البر: (أجمع اهل العلم على ان المقلد ليس بعالم) .

بل ذكر ابن القيم وجها قويا، وهو ان المقلد يعترف على نفسه بأنه ليس من أهل العلم، وإلا لو كان عنده علم فلماذا يقلد؟ فتبين انه بوقوفوه على الفتوى بلا دليل لم يستفد علما، فما زال لا يعلم، والله قد أمر الذين لا يعلمون بسؤال أهل الذكر، فحينئذ لا يزال يجب عليه السؤال حتى يعلم العلم الشرعى الذى أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.

فتبين ان الآية تدل على وجوب طلب الدليل على جواز تركه، وقد يحتجون أحيانًا بالحجة التي سبقت قريبا ًوقد تبين لك وجه الرد عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت