فالذى يظهر من الادلة؛ هو الوجوب، إذ قد تبين لك مما مضى ان كلام المفتى بدون ذكر الدليل لا يفيد العلم، إذ العلم هو كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا ماتمسكتم بهما كتاب الله وسنتى ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض) [أخرجه الحاكم، بسند حسن] .
وهذا الذى تركه فينا؛ هو العلم الذى ورثه لنا، كما قال صلى الله عليه وسلم: (وإن الأنبياء لايورثون دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم) [أخرجه أحمد واصحاب السنن، وهو صحيح] ، فالذى ورثه لنا هو الذى تركه فينا، وهو الكتاب والسنة، وعلى هذا؛ فكلام المفتى المجرد ليس بعلم، ولم يزل في احتمال ان يكون عليه دليل وإلا يكون مخظئا، أو يكون مصيبا في مآخذه من الدليل وفقهه منه أو يكون مخطئا ً، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومادمت لم تقف على العلم ولم تعلم فأنت مأمور بالسؤال {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} .
يؤيد هذا ان الله أمر بالسؤال بالبينات، فقال: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} ، في هذه الآية، ويزيد هذا إيضاحا؛ أنه يجب على المفتى إذا سئل عن شرع الله، أن يفتى به لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه الجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) [اخرجه أحمد والاربعة عن ابى هريرة رضى الله عنه، وهو صحيح] .
فإن كان يعلم الدليل؛ وجب عليه ذكره لمن سأله عن دين الله، وإن كان لا يعلم حرم عليه ان يقول على الله بغير علم، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} .
ومما تقدم أيضا يتبين لك أنه يجب على المفتى ذكر الدليل لمن سأله عن شرع الله.