هذه الاجماعات التي مشحونة بها كتب الفقه، والتى ليست صادقة، فتجد الاجماع، ثم إذا بك تجد الخلاف في المسألة، وهذا كثير.
واعلم؛ ان اسم"الفقهاء"أصبح يطلق غالبا على اتباع المذاهب والمتفقهين على مذهب معين، ولذا تجد كثير من اهل السنة المتجردين لحديث النبي صلى الله عليه وسلم يذمون الفقه وطريقة الفقهاء وكتب الفقه، ولايسمى فقيها إلا من كان متفقها في نصوص القرآن والحديث، لايستدل إلا بها ولا يتقيد بمذهب لم يشرعه الله، كما في الحديث: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) [متفق عليه] ، ولكن الفقهاء لما رأوا بضاعتهم لا يتحكم فيها إلا الدليل، سموا ما ألفوه الناس؛"فقه الادلة"، وسموا أؤلئك"محدثين"، فلم تدخل البلية على المسلمين إلا حينما افترق الفقه والحديث، وإلا فلا خير في فقه ليس بفقه للقرآن والحديث.
أعود فأقول: أنه من رحمة الله بعباده ان جلى لهم أمر الصالحين بصدقهم واستقامتهم ومحبة بعضهم لبعض وباتفاق أقوالهم واصولهم وعقيدتهم، بخلاف الذين سواهم: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} .
بل من اعظم ما يتميز به العلماء الصادقون؛ رجوعوهم إلى الحق إذا تبين لهم - كما مر بك في اول الرسالة رجوع الامام مالك وغيره - وعدم تعنيف بعضهم على بعض، مع ان الالتزام بالدليل واتباعه يجعل المؤمن لا يخشى ضلالا من المفتى، لأنه يطالبه بالبرهان على كلامه، حتى لو جاءه الدليل والبرهان من عدوه لما ترك العمل به من اجله، لانه يدور مع الحق حيثما سار، قال الله تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} ، وهذا الامر اكبر شاهد على ان المنهج الحق هو منهج الدليل، اما الذى يقبل كلام المفتى بلا دليل؛ فهو إن أخطأ تبعه على خطئه، وإن ضل تبعه على ضلاله، وإن أصاب فليس بجازم إن هذا هو الحق بل هو على ظن، قال الله تعالى: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} ، وذم الذين يتبعون الظن في اكثر من آية في القرآن، كما في قوله تعالى: {وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} .
بقيت مسألة هامة؛ وهى إن علمت حديثا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم وفقهت منه مسألة، لكن لا تدرى هل هناك نص آخر في القرآن والحديث يعارضه بنسخ أو تقييد - ولاسيما وانت مبتدئ في طلب العلم - فهل تعمل به ام تتوقف؟
فنقول: طريق السلامة في مثل هذا ان تراجع شرحه وكلام اهل العلم فيه، فإنك تفيد خيرا كثيرا، وتجد ما يتعلق به من النصوص وما يتضمنه من المسائل وفؤائد لا تحصر، وتقف على الخلاف في المسألة ان كان فيها خلاف، وتأخذ القول الذى يؤيده الدليل، وهذا