إبن جرير والبخاري حيث أورد الآية في باب صلاة الخوف من صحيحه، وهو ما رجّحه محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره، ومستند قولهم: أنّ الأصل في صلاة المسافر في الرّباعية هو اثنتين اثنتين.
فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون المراد من قوله تعالى:"فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ" (النساء 101) هو قصر الكمية، مع أنّ الأصل هو القصر؟!
روى البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: فرضت الصّلاة ركعتين ركعتين في السّفر والحضر، فأقرّت في السّفر، وزيدت في صلاة الحضر.
وإذ الأمر كذلك، فيكون قوله تعالى:"فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ"، قصر الكيفية، وسياق الآيات يدل عليه، إذ قال تعالى بعدها:"وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ" (النساء 102) ، وعلى هذا التفسير فشرط الخوف في قوله تعالى:"إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا" (النساء 101) ، معتبر، أي وإن لم تخافوا منهم أن يفتنوكم فلا تقصروا من كيفيتها، بل صلّوها على أكمل الهيئات.
القول الثاني: أنّ المراد من الآية هو قصر الكميّة، أي قصر السّفر وهو أن تجعل الرّباعية ثنائية، وهو قول الجمهور، كما حكاه إبن كثير في تفسيره، ويكون قوله تعالى:"إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا"، خرج مخرج الغالب حال نزول الآية، إذ كان غالب أسفار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة مخوّفة، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو جاء بيانا للحال فلا مفهوم له [1] ، يدل عليه ما رواه مسلم عن يعلى بن
(1) - جري النص على الغالب من موانع إعتبار دليل خطابه، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود في موانع إعتبار مفهوم المخالفة:
أو جهل الحكم أو النطق إنجلب ... للسؤال أو جرى على الّذي غلب.