وبعدَ هذا التمهيد المختصر في بيان تقسيمات الدار أقول: إنّ الجريمة إما أن تقع من المسلم على المسلم أو على غيره، أو من غير المسلم على المسلم؛ كما أنها إما أن تكون في دار الإسلام أو غيرها، فعلى ذلك يمكن أن تُقسّم هذه الاحتمالات إلى المسائل التالية:
المسألة الثانية: إقامة العقوبة للمستأمن في دار الإسلام.
المسألة الثالثة: إقامة العقوبة على المسلم والذمي في دار الحرب.
والآن إلى بيان هذه المسائل وتفصيلها:
صورة المسألة: أن يقع من المستأمن جناية أو ما يوجب حدًّا؛ كأن يقتل أو يسرق أو يزني أو نحو ذلك، فهل يقام عليه الحد أو لا؟
-اتفق الفقهاء على أن المستأمن في دار الإسلام إذا قَتَل عمدًا، فإنه يُقتل لقول الله تعالى: ... وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (2) ولِما جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل يهوديًا، عندما رضَّ اليهودي رأس جارية من الأنصار فقتلها (3) وسواء أكان المقتول مسلمًا أم ذميًّا أم مستأمنًا. (4)
وأما إذا ارتكب المستأمَن الجرائم التي توجب حدًّا، فقد اختلف الفقهاء في إقامة الحدّ عليه
ــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: المغني 12/ 382، بدائع الصنائع للكاساني 7/ 111، الشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين 14/ 211
(2) سورة المائدة آية 45.
(3) رواه البخاري (6876) كتاب الديات باب سؤال القاتل حتى يُقر، ومسلم (1672) كتاب القسامة باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره.
(4) ينظر: مراتب الإجماع لابن حزم ص 138، بدائع الصنائع للكاساني 7/ 273، حاشية ابن عابدين 6/ 209، الفواكه الدواني لأحمد بن مهنا 2/ 293، المغني 11/ 459،
فذهب الأحناف إلى التفريق في الحدود بين ما كان حقًا خالصًا لله تعالى، وهي جميع الحدود ما عدا حدّ القذف، وبين ما كان حقًا للمسلم وهو حدّ القذف؛ لذلك فما كان من الحدود