الصفحة 11 من 19

من مأزق عند الحاجات الحقيقية على مستوى الأفراد، أو على مستوى المؤسسات أحيانا، وإنها لا تصلح لأن تكون هي النشاط الأساسي لمؤسسات تجارية كبيرة، ولا لأن تمثل نظام الاقتصاد الذي تهدف إليه الشريعة الغراء، فالتوسع في هذه الحيل والمخارج على مستوى المؤسسات المالية الكبيرة يعرقل المسير الطبيعي للاقتصاد الإسلامي، فإنه كلما توسعت هذه المؤسسات في مثل هذه الحيل والمخارج، ضاق النطاق على النشاطات الاقتصادية التي تحث عليها الشريعة، والتي تمهد السبيل إلى إنشاء مجتمع اقتصادي مطلوب.

فالطريق الأمثل للتمويلات التجارية -في الشريعة الغراء- هو التمويل على أساس الشركة والمضاربة، فإنه هو الذي يضمن التوزيع العادل للثروة فيما بين أبناء الشعب، ويوجه فيضان الأموال من الأثرياء الكبار إلى العامة من الناس. فالتوسع في عمليات المرابحة، والتورق، وأمثالهما، وخاصة إذا كان تقويم هذه العلميات على أساس المؤشر الربوي، يضيق المجال لعمليات الشركة والمضاربة، ويشجع العقلية الربوية التي تهدف إلى الاسترباح دون تحمل أي خطر، ولا تُحدث أي تغير جذري في النظام الرأسمالي السائد اليوم.

وإن المجامع والندوات الفقهية، وهيئات الرقابة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية أفتت بجواز المرابحة للآمر بالشراء والتورق وما إلى ذلك من المخارج الشرعية، نظرا إلى الظروف المحيطة بالمصارف الإسلامية عند بداية إنشاءها. إنها بدأت تعمل في سوق مكتظة بالعمليات الربوية البحتة، وكان من العسير جدًا أن تتمحض نشاطاتها في التمويل على أساس الشركة والمضاربة، فأبيح لها أن تلجأ إلى مثل هذه العمليات، لتتمكن من اتخاذ خطواتها المبدئية للفرار عن الربا الصُّراح، وتُمكِّن عامة المسلمين من الاستفادة بقنوات تمويلية لا تدخل في الحرام البين, ولكن لم يكن في حسبان الفقهاء الذين أجازوا هذه العلميات أن تجلس هذه المؤسسات مقتنعة بهذه المخارج إلى أمد لا نهاية له، وتتخذها هي الهدف المنشود من وراء إنشاء المصارف الإسلامية، والنشاط الأساسي الذي يدور حول رحى تعاملاتهم إلى الأبد.

ولقد مضت الآن على إنشاء المؤسسات الإسلامية أكثر من ثلاثين عاما، وقد تزايد في هذه المدة عددها وكبر حجمها، وكثر عدد المتعاملين معها، فحان الآن لهيئات الرقابة الشرعية لهذه المؤسسات أن تؤكد على التقليل من عمليات المرابحة والتورق، والإكثار من العمليات المفضلة من الشركة والمضاربة، وأن تكون نسب العمليات المختلفة من إجمالي تعاملاتها تحت رقابة دائمة، حتى تتقدم المصارف الإسلامية إلى مقاصد التشريع الإسلامي، وتمثل الاقتصاد الإسلامي بصورته المتكاملة النيِّرة، دون أن تبرز أمام العالم كشركات متمحضة للمخارج والحيل، فإن ذلك يسبب سمعة سيئة، ليس لهذه المؤسسات فحسب، بل للاقتصاد الإسلامي الذي تمثله.

وقد يقترح على أساس سد الذرائع، أن تمنع المصارف الإسلامية من ممارسات التورق بتاتًا، ومن هنا جاء السؤال التالي من قبل الأمانة العامة للمجمع الفقهي الإسلامي:

"هل الآثار الناجمة عن توسع المصارف في التمويل بالتورق من نحو زيادة الديون الاستهلاكية، وضعف الفارق بين العمل المصرفي الإسلامي وعمل المصارف الربوية، وطغيان هذا العقد على عقود المشاركة وتحمل المخاطر .... يمكن أن تؤدي إلى منع هذا العقد، حتى ولو كان مباحا من حيث الأصل؟"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت