الصفحة 9 من 19

فنتيجة العملية التي أقترحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفس نتيجة شراء الصاع بالصاعين، حيث إن صاحب الجمع يعطي الصاعين ويأخذ صاعًا من جنيب، ولكن أجازه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكون هذه النتيجة حصلت بعقدين مستقلين مشروعين لا علاقة لواحد منهما بالآخر، فتبيّن أن مجرد كون النتيجة النهائية مثل ما ينتج من عقد الربا لا يحرّم العملية مادامت النتيجة حصلت بعقود حقيقية مشروعة.

ولذلك لا يوجد هناك نص يمنع التورق وإدراجه في عداد العينة لا مستند له، فإنه لا يوجد تفسير العينة في حديث أو أثر إلا في أثر لعائشة رضي الله عنها، أخرجه عبد الرزاق والدارقطني والبيهقي رحمهم الله تعالى، وإليكم نص رواية عبد الرزاق:"أخبرنا معمر والثوري عن أبي إسحاق، عن امرأته أنها دخلت على عائشة رضي الله عنها نسوة، فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمان مائة إلى أجل، ثم اشتريتها منه بست مائة، فنقدته الست مائة وكتبت عليه ثمان مائة، فقالت عائشة: بئس والله ما اشتريت! وبئس والله ما اشترى! أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب" [1] .

وهذه الصورة إنما شنعت عليها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من حيث إن الجارية رجعت إلى بائعتها، وبقي لها ربح مائتين مؤجلتين. ولو كان زيد بن أرقم رضي الله عنه باعها في السوق بست مائة للحصول على النقد، فالظاهر أن العملية لم تكن لتدخل تحت إنكار أم المؤمنين رضي الله عنها والله سبحانه وتعالى أعلم.

وحاصل ما ذكرنا فيما سبق أن التورق عملية جائزة في نفسها وغاية ما في الباب - كما قال ابن الهمام رحمه الله- أنه خلاف الأولى إن كان البائع يعلم أن المشتري محتاج إلى نقود لأغراضه الشخصية و لايشتري السلعة بثمن غال إلا بسبب حاجته إليها. فلو كان في مكنة البائع أن يقرضه النقود التي يحتاج إليها فلا شك أنه الأفضل والأكثر أجرا، فترك الإقراض في هذه الحالة واللجوء إلى بيع السلعة بثمن أكثر خلاف الأفضل، وكلما كانت حاجة المشتري إلى النقود أشد لأغراضه الشخصية أزدادت فضيلة الإقراض، وابتعد التورق من المروءة بتلك النسبة، ولكن لا سبيل إلى القول بأنه يجب عليه الإقراض إلا إذا كان المشتري بلغ حالة المخمصة أو الاضطرار، فإن لمثل هذه الحالة أحكامًا خاصة ربما يجب فيها على المرء أن يهب أو يتصدق ما يحتاج إليه، فضلًا من أن يقرضه. وكذلك إن كان البائع يعرف أن المشتري المتورق يحتاج إلى سيولة نقدية لأغراضه التجارية، ومقصوده الحصول على التمويل، فالأفضل للبائع أن يعقد معه الشركة أو المضاربة، لكونهما طريقين مفضلين للتمويل، فالعدول عنهما إلى التورق خلاف الأولى كلما كان الطريق المفضل ميسرًا. ولكن لا سبيل إلى القول بأنه يجب عليه أن يعقد معه الشركة أو المضاربة ولا يدخل في التورق. ولكن ما ذكرنا من جواز التورق عند جمهور الفقهاء إنما يتأتي في التورق الذي هو عبارة عن عمليتين بسيطتين، إحداهما شراء السعلة بالأجل، وثانيتهما بيعها في السوق عاجلا. والتورق الذي تصوره الفقهاء وحكموا بجوازه هو أن السلعة موجودة عند البائع مملوكة له ملكا حقيقيا، ثم تنتقل ملكيتها إلى المشتري بحكم البيع الحقيقي الذي تتبعه جميع أحكام البيع. ولكن إذا اقترنت بهذه العملية ملابسات أخرى، فلا يبعد أن

(1) مصنف عبد الرزاق: 8/ 174، رقم 14812 وأعله البعض بجهالة المرأة أبي إسحاق ولكن قال الزيلعي"بل هي امرأة جليلة القدر ذكرها ابن سعد في الطبقات .." (نصب الراية: 4/ 15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت