الصفحة 13 من 19

وإن هذا التوكيل إن كان مشروطا في البيع الأول، بأن زيدا اشترى البضاعة من المصرف بشرط أن يقوم ببيعها في السوق، فإن هذا العقد فاسد، لأنه يبيع بشرط التوكيل، ومثل ذلك العقد المشروط فاسد عند جمهور الفقهاء. أما إذا كان عقد البيع خاليا من هذا الشرط ثم وكل زيد المصرف بعقد مستقل، فليس العقد فاسدا، ولكنه لا يخلو من كراهة، وذلك لأن المصرف هو الذي يدفع المبلغ الأقل إلى زيد (بصفته وكيلا بالبيع) وهو الذي يأخذ المبلغ الأكثر عند حلول الأجل، وإن كان الأخذ والعطاء بصفتين مختلفتين وبعقدين مستقلين مما يخرج العملية من الربا الصريح، ولكن هذا الفرق الدقيق لا يبعده من مشابهة التمويل الربوي. وفي كثير من الأحوال لا يتمثل هذا الفرق الدقيق إلا في صورة توقيع على الأوراق ليس له كبير أثر في عالم الواقع.

كثيرا ما تمارس المصارف الإسلامية التورق عن طريق البورصات العالمية التي تتعامل في السلع لأن هذه البورصات أقصر طريق لاجراء البياعات السريعية، تقع فيها آلاف البياعات في دقائق متعددة عن طريق الحاسب الآلي.

(1) إن بورصات السلع العالمية تجرى فيها بيوع كثيرة ليست حقيقية، لا تُسلَّم فيها السلع إلى المشتري، وإنما تدرج بيوع كثيرة متعاقبة على الحاسب الآلي، ثم تقع التصفية على أساس فروق الأسعار. فمنها ما هي بيوع مستقبلية (Futures) وهي ممنوعة شرعًا، ومنها ما هي بيوع حالَّة، ولكنها لا تراعى فيها الشروط الشرعية من تعين المبيع وإفرازه عن غير المبيع، ومن كون المبيع في ملك البائع وحوزته، وإنما تقع البيوع المتعددة بتبادل الأوراق، وهي في كثير من الأحيان لا تمثل بضاعة معينة، وإنما تمثل حق الحامل في تسلم كمية من المخازن التي تودع فيها آلاف الأطنان من نفس السعلة. والكمية التي تمثلها هذه الأوراق غير متميزة عن الكمية الباقية، فلا تأتي الكمية المشتراة في ضمان المشتري، ويبيعها المشتري إلى آخر قبل أن تتميز وتُضمن من قبل المشتري، فيقع فيها محظور ربح ما لم يضمن.

وإن البيع الحقيقي الشرعي لا يتحقق في هذه البورصات إلا إذا كان هناك اهتمام بالغ من قبل المتعامل فيها بالتزام الشروط الشرعية تحت مراقبة فقهاء متخصصين في هذا المجال، ولا يتيسر ذلك غالبًا إلا بوضع طريق خاص وصياغة عقود جديدة من قبل الهيئات الشرعية، والتفاوض مع السماسرة والمتعاملين في هذا السوق لكي يلتزموا بالشروط الشرعية.

فما لم يتحقق هذا الاهتمام البالغ، لا يجوز التعامل في بورصات السلع العالمية، لا للتورق، ولا لغرض آخر.

(2) لو فرضنا أن آلية التعامل في البورصات قد تم تخطيطها بكل حزم واحتياط ليكون البيع حقيقيا ملتزما بالشروط الشرعية، ثم اتخذت عملية التورق بالشكل الذي شرحناه فيما سبق، فإنه لابد أن تأتي البضاعة في حوزة المتورق بعد شرائه إياها من المصرف، وقبل أن يبيعها إلى المشتري النهائي، فيتحقق منه قبضها إما بنفسه، وإما عن طريق وكيل له، ولا يجوز أن يكون المصرف هو الوكيل للتورق بالقبض، فإن المصرف هو البائع، فلا بد من أن تخرج السلعة من حوزته وضمانه إلى حوزة المشتري أو وكيله الذي هو غير البائع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت