الصفحة 12 من 19

والجواب عن هذا السؤال في نظري أن إطلاق المنع في هذه المرحلة الابتدائية يمكن أن يسبب مشاكل عملية في بعض الحالات التي يحتاج فيها إلى التورق احتياجا حقيقيا، ولكن يجب أن تشدد هيئات الرقابة الشرعية في رقابتها على مثل هذه العمليات من جهتين:

الجهة الأولى: أن لا تسمح بمثل هذه العمليات إلا في حاجات حقيقية، وأن تؤكد على المؤسسات الإسلامية أن تقلل نسبتها من مجموع ممارساتها.

والجهة الثانية: أن يكون التورق خاليا عن الملابسات الأخرى التي تخرجه من حد الجواز، أو تزيده كراهة، أو تجعله عملية صورية فقط. ونشير إلى بعض هذه الملابسات فيما يأتي:

ذكرنا فيما سبق أن التورق الذي تصوره الفقهاء والذي حكموا بجوازه يتكون من عقيدين بسيطين: الأول أن يبيع البائع سلعة هي في ملكه وحوزته بيعا مؤجلا إلى المتورق، والثاني: أن يبيع المتورق هذه السلعة إلى طرف ثالث لا علاقة له بالبائع الأول. ولكن كثيرا من المصارف والمؤسسات تضيف إليه عقدا آخر، وهو التوكيل، فمثلًا إذا طلب أحد عملاء المصرف التمويل على أساس التورق، فإن المصرف لا يبيع سلعة موجودة في ملكه، وإنما يحتاج إلى أن يشتريها من السوق، فإن كان المصرف يشتريها بنفسه عن طريق أحد موظفيه، فهذا يمكن أن يكون مقبولا، ولكن المصرف لا يشتريها بنفسه في كثير من الأحوال، وإنما يوكل العميل المتورق نفسه أن يشتريها من السوق نيابة عن المصرف، ثم إن المتورق يشتريها من المصرف أصالة بثمن آجل، ثم يبيعها إلى طرف ثالث، والعادة المتبعة في كثير من المصارف هي أن المصرف لا يدفع الثمن إلى البائع الأصلي، وإنما يدفع المبلغ إلى المتورق بصفة كونه وكيلا له بالشراء.

ومن أجل إضافة هذا التوكيل إلى التورق، تصبح العملية تشابه التمويل الربوي، فإن المتورق يأخذ من المصرف المبلغ الأقل، ويدفع إليه المبلغ الأكثر عند حلول الأجل، وإن كان أخذه للمبلغ الأقل إنما يقع بصفته وكيلًا بالشراء، وليس كمستقرض، ولكن هذا الفرق الدقيق لا يبعد العملية عن مشابهة التمويل الربوي، وإن هذا التوكيل قد يجعل العقد محظورًا، وقد يجعله مكروهًا.

فإن اشترى المتورق البضاعة نيابة عن المصرف، ثم اشتراه لنفسه بدون أن يرجع إلى المصرف وينشئ معه البيع بعقد مستقل، فإن هذه العملية لا تجوز أصلًا، لأن الوكيل لا يتولى طرفي البيع، ولأنه يجب الفصل بين الضمانين في البضاعة وأما إذا رجع الوكيل المتورق إلى المصرف بعد شراء البضاعة، ثم عقد معه البيع بإيجاب وقبول، فالعقد ليس باطلا، ولكن لا يخلو من كراهة، لأنه يقرب العقد إلى الصورية.

وينبغي لهيئات الرقابة أن تمنع مثل هذا التوكيل، حتى تعود عملية التورق إلى أصلها.

وهناك صورة أخرى للتوكيل. وهو أن المشتري المتورق بعد شراء البضاعة من البائع يوكل نفس البائع بأن يبيع البضاعة في السوق نيابة عن المتورق. مثلًا: إذا أراد زيد أن يطلب التمويل من مصرف فإنه يشتري بضاعة من المصرف بثمن آجل، ثم يوكل المصرف نفسه بأن يقوم ببيعها في السوق نيابة عنه، وأن المصرف بعد ما يبيع البضاعة إلى طرف ثالث، فإنه يتسلم الثمن من المشتري ويدفعه إلى زيد، ثم يسدد زيد الثمن الآجل الزائد عند حلول الأجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت