الصفحة 3 من 19

وإنما هو تصرف المشتري فيما ملكه ببيعه في السوق بثمن حال ليحصل على نقد، غير أن الذين ذكروه في جملة صور العينة، إنما نظروا إلى أنه يشارك العينة في أمور، الأول: أن البائع الأول يبيع السلعة في كليهما نسيئة بأكثر من الثمن الحال في السوق، والثاني: أن مقصود فيهما هو الحصول على نقد، والثالث: أن كلا منهما أتخذ حيلة أو مخرجًا لتفادي الوقوع في الإقراض الربوي.

أما حكم التورق عند فقهاء الحنابلة فالذي يظهر من مراجعة كتبهم أنه وإن كان هناك قولان للإمام أحمد، أحدهما الكراهة، ولكن المختار عندهم جوازه فذكر ابن مفلح القولين حيث قال:"ولو احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بمائتين فلا بأس، نص عليه، وهي التورق. وعنه: يكره، وحرمه شيخنا" [1]

وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"ولو كان مقصود المشتري الدرهم وابتاع السلعة إلى أجل ليبيعها ويأخذ ثمنها، فهذا يسمى التورق، ففي كراهته عن احمد روايتان" [2] .

لكن قال المرداوي رحمه الله تعالى:"لو احتاج إلى نقد، فاشترى ما يساوي مائة بمائة وخمسين فلا بأس. نص عليه، وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وهي مسألة التورق" [3] .

فذكر المرداوي رحمه الله أن المذهب جوازه، وعليه معظم أصحاب الحنابلة، ولذا قال البهوتي رحمه الله تعالى:"ومن احتاج لنقد فاشترى ما يساوي ألفًا بأكثر ليتوسع بثمنه فلا بأس نصًا" [4] .

وقال في الكشاف:"ولو احتاج إنسان إلى نقد فاشترى مايساوي مائة بمائة وخمسين فلا بأس بذلك نص عليه وهي أي هذه المسألة تسمى مسألة التورق" [5] .

ولم يذكر البهوتي خلافًا لأن الجواز هو المعتمد في المذهب، وهو الذي يظهر من كلام ابن قدامه رحمه الله تعالى، فإنه وإن لم يذكر مسألة التورق صراحة، ولكن أشار إليها في أثناء كلامه على العينة، فذكر أن العينة الممنوعة هي أن يشتري البائع نفسه السلعة التي باعها نسيئة، ثم قال:"وفي كل موضع قلنا لا يجوز له أن يشتري، لا يجوز ذلك لوكيله لأنه قائم مقامه، ويجوز لغيره من الناس، سواء كان أباه أو ابنه أو غيرهما، لأنه غير البائع اشترى بنسيئة أشبه الأجنبي". [6]

وهذا يدل على أنه إن كان المشتري الثاني أجنبيًا عن البائع الأول فهو جائز والمفروض في مسألة التورق ذلك.

فالظاهر أن المذهب المختار عند الحنابلة الجواز، ولكن مال العلامة ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى إلى المنع، فقال ابن تيمية رحمة الله تعالى، وهو يتحدث عن الأنواع المختلفة للشراء:

(1) الفروع لابن مفلح: 4/ 171.

(2) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 29/ 30.

(3) الإنصاف للمرداوى: 4/ 337، دار التراث العربي سنة 1400 هـ

(4) شرح منتهى الإرادات: 2/ 158، طبع دار الفكر.

(5) كشاف القناع: 3/ 175، مطبعة الحكومة بمكة سنة 1394 هـ.

(6) المغني لابن قدامة: 4/ 46، دار الكتب العلمية بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت