الصفحة 14 من 19

(3) ولئن فرضنا أن وكيل المشتري هو السمسار، فهو الذي يقبض السلعة من المصرف نيابة عن المشتري، ثم يبيعها إلى المشتري النهائي، فإن المشكلة ههنا أن ذلك السمسار نفسه هو الوكيل للمصرف أيضًا. فهو يشتري السلعة من البائع الأصلي نيابة عن المصرف ويقبضها نيابة عنه ويبيعها إلى المتورق، فهو في حكم المصرف من حيث كونه وكيلًا له، فلا يصح أن يكون وكيلًا للمشتري بالقبض.

ولا مساغ للخروج من ذلك إلا بأن تقع من المصرف تخلية السلعة للمتورق بعد ما تم شراء السلعة من البائع الأصلي، فإذا تحققت التخلية التي هي في حكم القبض خرجت السلعة من ضمان المصرف، ويمكن الآن أن يوكل المتورق المصرف أو السمسار ببيعها إلى المشتري النهائي. فإن اشترط التوكيل عند الشراء فسد العقد كما اسلفنا، وإن عقد التوكيل قبل التخلية فإنه لا يجوز لكون السلعة في ضمان المصرف حينئذ.

ولا شك أن الالتزام بهذه الآلية في بيوع السلع الدولية السريعة من الصعوبة بمكان.

والطريق الثاني: أن يكون السمسار الذي يقبض السلعة نيابة عن المتورق ويبيعها وكيلا له، غير السمسار الذي اشترى البضاعة للمصرف فيكون هناك سمساران، أحدهما وكيل للمصرف، والآخر وكيل للمتورق. وبما أن الطريق الأول في صورة وحدة السمسار صعب تنفيذه، بل لا يكاد يتحقق مهما وقعت الدقة في المراقبة، فهذا الطريق الثاني هو المتعين، ولا ينبغي أن يسمح بالطريق الأول من قبل الهيئات الشرعية.

(4) ثم إن البيوع في نظام البورصات الجديد إنما تتم عن طريق الحاسب الآلي، ولم يتحقق لي حتى الآن أن مجرد ظهور اسم المشتري على شاشة الحاسوب ينقل الملك ويحقق القبض وينقل الضمان إليه، ويجب أن تكون العقود الجارية عن طريق الحاسوب موضوع دراسة مستقلة في ضوء القوانين والأعراف قبل الحكم عليها بالجواز وعدمه.

(5) كل ما ذكرنا من الشروط الشرعية فيما سبق، إنما هي شروط للحكم بصحة العقد. أما من ناحية السياسة الشرعية، فقد رأينا أن الطرق المتبعة في المصارف الإسلامية ليست على سذاجة التورق الذي تصوره الفقهاء. فلو كان ذلك التورق الساذج خلاف الأولى، فما بالك بهذه الصور المعقدة التي أضيف إليها عدة عقود يصعب تنفيذ شروطها الشرعية في مجال العمل المصرفي السريع؟

وهذا يؤكد ما ذكرنا من ضرورة الامتناع عن التوسع في استخدام التورق في الأعمال المصرفية وقصره على حاجات الأفراد الحقيقية، وإجراءه بطريقة اللازم لصحة العقود، حتى لا تكون ذلك عملية صورية تؤول إلى تمويل ربوي بجيمع آثاره ونتائجة الشنيعة.

ولله سبحانه وتعالى ولي التوفيق وهو المستعان وصلى الله تعالى علن نبينا الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت